أزمة طيبات أم أزمة منظومة؟!
من المثير للتأمل أن يتحول الخطاب العام، بين ليلة وضحاها، إلى واعظٍ أخلاقي يرفع راية الصحة، فيوجه سهام غضبه إلى ما سُمي «نظام الطيبات» بوصفه الخطيئة الكبرى، ويُصوره كأنه المسؤول الأوحد عن تدهور الأجساد واختلال الحياة. فجأة أصبح الإعلام الحكومي، وكثيرٌ من الأطباء، وجموعٌ من الناس، حُراسًا على أبواب العافية، يوزعون صكوك الإدانة، وكأن المرض، والموت، لم يكن يومًا ابنًا شرعيًا لمنظومة كاملة من الاختلالات!
بدايةً، ولكي لا يندفع أحدهم إلى إساءة فهم المقصود، فليس في هذا القول دفاعٌ عن ذلك النظام أو تبرئة له من سلبياته (خاصةً فيما يتعلق بإيقاف أدوية الأمراض المزمنة وما قد يترتب على ذلك من مخاطر)، فكل نظام غذائي قابل للنقد والمراجعة، لكن الفلسفة تعلمنا أن الحقيقة التي تُنتزع من سياقها تتحول إلى نصف حقيقة، ونصف الحقيقة قد يكون أكثر تضليلاً من الكذب الصريح.
إذا كان نظامٌ غذائي بعينه متهمًا بأنه يقتل الإنسان ببطء، فمن ذا الذي يُقيم محكمةً لصُناع الهواء المشبع بالسموم؟ ومن يحاسب مستوردي التبغ ومُصنعيه، وهم يطرحون الموت في الأسواق في عبوات أنيقة، يعرف الجميع حقيقتها، وتُقر بخطورتها البحوث العلمية والهيئات الصحية، ومع ذلك لا يواجهون العاصفة الأخلاقية ذاتها؟ ومن يضع التلوث السمعي والبصري في قفص الاتهام، وقد غدا الإنسان يعيش تحت قصفٍ يومي من الضجيج والفوضى، ومن سيلٍ لا ينقطع من الصور والمثيرات التي تستنزف أعصابه قبل أن تستنزف جسده؟ أليس للضوضاء أمراضها، وللفوضى ندوبها الخفية التي لا تظهر في صور الأشعة لكنها تترك أثرها العميق في النفس والعقل؟
ثم من يتحدث عن غذاء الروح والفكر، وقد تحول تسطيح الوعي إلى صناعة مكتملة الأركان، تتم تغذيتها بالشائعات والتفاهة والابتذال، حتى صار العقل، في مفارقة مؤلمة، أكثر أعضاء الإنسان تعرضًا لسوء التغذية؟ إن فساد الوعي لا يقل خطرًا عن مرض الجسد، لأن الأجساد المريضة قد تُشفى، أما العقول التي اعتادت الرداءة فتفقد قدرتها على تمييز الدواء من السم! وماذا عن مستشفيات الفقراء التي تتحول في أحيانٍ كثيرة إلى قاعات انتظار طويلة للألم، حيث يقف الزمن شاهدًا على عجز الإنسان وهو يراقب وجعه يتفاقم؟ وماذا عن المرضى الذين يفترشون الأرصفة والممرات بحثًا عن سرير، وكأن المرض وحده لم يكن كافيًا، فيُضاف إليه امتحان الكرامة، فيصبح العلاج رحلةً لإثبات الحق في الإنسانية قبل أن يكون سبيلاً لاستعادة الصحة؟ وماذا عن ممارسات المستشفيات الخاصة التي تجعل من العلاج سلعة، ومن المريض مشروع استثمار، ومن الألم فرصة للربح؟ حين يتحول الطب من رسالة إلى سوق، يفقد المرض معناه الطبيعي، ويغدو الإنسان محاصرًا بين وجعين: وجع الجسد، ووجع الاستغلال! ثم ماذا عن الفقر، ذلك المرض الصامت الذي لا يتم تدريسه في كليات الطب، رغم أنه الأب الخفي لكثيرٍ من العلل؟ إنه لا يسرق المال فحسب، بل ينتزع من الإنسان قدرته على الوقاية، ويؤجل علاجه حتى يستفحل الداء، ويضعه كل يوم أمام سؤال قاسٍ: أيشتري الدواء أم يشتري الخبز، وكلاهما شرطٌ للبقاء؟
إن اختزال أزمة الصحة في سببٍ واحد ليس انتصارًا للحقيقة، بل هروبٌ من مواجهة تعقيدها؛ فالحياة لا تفسد بعامل منفرد، وإنما تتآكل تحت وطأة منظومة كاملة من الاختلالات؛ من الهواء الذي نتنفسه، إلى الغذاء الذي نأكله، إلى الفكر الذي يملأ عقولنا، إلى العدالة التي تُوزَّع بها فرص العلاج والعيش الكريم. ومن أراد أن ينصف الحقيقة، فعليه أن ينظر إلى المشهد كله، لا إلى جزء منه، لأن العدالة التي تنتقي متهميها ليست عدالة، بل صورة أخرى من صور الانحياز!
إن اختزال الأزمة الصحية في نظام غذائي – أيًا كانت سلبياته – يشبه اتهام قطرة المطر بإغراق مدينة أهمل أهلها بناء المصارف؛ فالأمراض لا تولد مما تحتويه – أو لا تحتويه – المائدة وحدها، بل من البيئة، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والسياسات العامة، ومن ذلك الإهمال المزمن الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة حتى يصبح جزءًا من طبيعتها. المشكلة الحقيقية ليست في أن ننتقد نظامًا غذائيًا بعينه، بل في أن نحوله إلى شماعة نُعلق عليها كل أوجاعنا، فنرتاح من عناء مواجهة الأسباب الأعمق.
ولعل السؤال الفلسفي الأكثر إلحاحًا ليس: ماذا نأكل أو لا نأكل؟ بل: في أي بيئة نعيش؟ وأي منظومة تنتج هذا الكم من المرض ثم تطلب منا أن نبحث عن السبب في نظام غذائي بعينه؟ الإنسان لا يموت بما يدخل أو لا يدخل معدته فقط، بل قد يموت بما يدخل أو لا يدخل رئتيه، وما يرهق أعصابه، وما ينهك كرامته، وما يسحق وعيه، وما يزرع اليأس في قلبه. وعندما تصبح الحياة ذاتها بيئة طاردة للصحة، فإن التركيز على نظام غذائي واحد ليس بحثًا عن الحقيقة، بقدر ما هو هروب أنيق من مواجهتها!
.webp)
.webp)
!%20(1).webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)