الصهيونية العربية: جدلية الفكر والخيانة الحلقة الثانية: ممثلو الصهيونية العربية (النُخب، والأدوات، والأقنعة)
«كيف ترعرع في وادينا الطيب كل هذا القدر من السفلة والأوغاد»
كما أسلفنا، لم تتجسد الصهيونية العربية في صورة تنظيمٍ مُعلن أو تيارٍ ذي ملامح صلبة، يمكن الإشارة إليه بالأسماء والحدود، بل انبثقت بوصفها حالة ذهنية مُركبة، وشبكة رمزية رخوة من الأفكار والمواقف والمصالح، تسللت بهدوء إلى مفاصل الخطاب العام؛ حمل لواءها أفرادٌ من نخبٍ متباينة المشارب، توزعوا بين دوائر الفكر والجامعات، ومجالات السياسة وصناعة القرار، ومنصات الإعلام والثقافة، لا يجمعهم انتماءٌ تنظيمي بقدر ما يُوحدهم منطقٌ واحد في النظر إلى الصراع ومعناه. وقد أتقن هؤلاء التخفي خلف أقنعة براقة: حداثةٍ تدعي القطيعة مع الماضي، وعقلانيةٍ تزعم التعالي على العاطفة، وواقعيةٍ تتذرع بميزان القوى، حتى بدا خطابهم، في ظاهره، تمرينًا فكريًا رصينًا ومشروعًا، وليس انحيازًا أيديولوجيًا يمكن إدانته بسهولة!
لم يتقدم ممثلو هذا التيار بوصفهم خونةً ظاهرين، أو دعاة ولاءٍ صريح للعدو، بل ارتدوا ثياب المصلحين الحكماء، الذين يدَّعون أنهم نظروا إلى التاريخ ببرود المختبر، وتحرروا من «أوهام» الصراع والهزيمة والنصر، وامتلكوا شجاعة الاعتراف بما يصفونه بمصطلح «الحقائق القاسية». غير أن هذا الادعاء لم يكن، في جوهره، سوى إعادة صياغة للسردية الصهيونية ذاتها، وقد أُعيد تغليفها بلغةٍ عربية مألوفة، ومفردات نقدية جذَّابة، تُفرغ المفاهيم من شحنتها التحررية، وتعيد ترتيب المسؤوليات، بحيث يغدو الاحتلال واقعًا يمكن التكيف معه، والمقاومة عبئًا أخلاقيًا، والذاكرة التاريخية عبئًا على الحاضر والمستقبل. وهكذا، لم تكن الصهيونية العربية خطابًا صداميًا، بل خطابًا ناعمًا، يعمل على تحويل الهزيمة إلى حكمة، والتنازل إلى فضيلة، والانحياز إلى «الآخر المُغتصب» إلى علامة نضجٍ فكري!
أولًا: النخب الفكرية والسياسية
برز ممثلو الصهيونية العربية في طبقات متباينة من النخب الفكرية والسياسية، من مثقفين وكتَّاب وأكاديميين إلى سياسيين، لم يعلنوا يومًا ولاءهم للمشروع الصهيوني صراحةً، ولم يرفعوا شعاراته علنًا، لكنهم في العمق تبنوا أطروحاته المركزية، وكأنهم نقلوا منطق الخصم إلى داخل الخطاب العربي، بلغة عربية مألوفة وناعمة. لقد سعوا إلى نزع الطابع الاستعماري عن إسرائيل، ليتم تقديم الاحتلال بوصفه نزاعًا «عاديًا» بين دولتين، وأعادوا تأطير الصراع على أنه خلاف متكافئ بين طرفين، بحيث تقع على الضحية مسؤولية استمرار المأساة، ويغدو من يُطالب بالتحرر والتضحية عبئًا ثانويًا في ميزان العدالة التاريخية!
قدَّم هؤلاء أنفسهم على أنهم «العقلاء» في مواجهة عاطفة الجماهير، و«الواقعيون» في مواجهة راديكالية المقاومة غير أن خطابهم لم يكن مواجهةً صريحة، بل كان أقرب إلى نحتٍ خفي في صخر الذاكرة الجمعية؛ عملية تفكيك بطيئة لا تُحدث جلبة، لكنها تعيد ترتيب المعاني في العمق. لم يخاصموا القيم الوطنية جهارًا، ولم يُصادموا المُقدس بشكلٍ مباشر، بل تسللوا إليه عبر سؤالٍ يُعاد تشكيله، ومفهومٍ يُنزع من سياقه، ويُعاد زرعه في تربةٍ أخرى أقل اشتعالًا وأكثر برودة.
في هذا الأفق، تتكاثر الصور في الواقع العربي الحديث: مثقفٌ يكتب في الصحافة الورقية والإلكترونية، يذيب المأساة الفلسطينية في عمومية الألم الإنساني، حتى تكاد تفقد خصوصيتها التاريخية وفرادتها الجارحة؛ وأكاديميٌّ يُقدم ورقةً بلهجةٍ محايدة، يُصور المقاومة «مغامرةً غير محسوبة»، بينما يمر الاحتلال في عباراته كأنه ظرفٌ طبيعي من ظروف الجغرافيا؛ وسياسيٌّ يرفع لواء «السلام المرحلي»، ويمنح اعتراض معارضيه صفة الانفعال، كأن العقل لا يسكن إلا في ضفةٍ واحدة من السؤال! هكذا يغدو العقل شعارًا يُستدعى لتدجين المعنى، والواقعية قناعًا يُخفي إعادة تعريف الحدود بين الممكن والمستحيل، حتى لا يعود السؤال: ماذا فُرض علينا؟ بل: لماذا لا نتكيف مع ما فُرض؟ وفي هذا التحول الهادئ، تتبدل البوصلة من غير أن يُسمع لصوتها انكسار!
هكذا عملت هذه النخب على إعادة تموضع الأسئلة: من «من يحتل الأرض؟» إلى «كيف يمكننا إدارة هذا الواقع؟»، ومن «ما حقنا في المقاومة؟» إلى «كيف نتعايش مع الخصم بذكاء؟». وفي قصصٍ متفرقة، يمكن أن نلاحظ صحفيين أو مفكرين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي يعيدون إنتاج سردية التطبيع تحت عباءة الحداثة والعقلانية، وكأنهم يُقرون بسقوط القيم المبدئية ويستبدلون بها منطق المصلحة والتكيف، بينما كان هدف الخصم الفعلي – أي المشروع الصهيوني – يتحقق دون أن يرفع أحدٌ أي لافتة ولاء!
باختصار، كانت هذه النخب قوة غير معلنة في الفضاء الفكري والسياسي العربي، قوة تمارس التأثير على الوعي الجمعي بحنكة التجديد الظاهري، لكنها في العمق تعمل على إعادة صياغة الواقع بما يخدم المشروع المعادي، من خلال التشكيك في الرواية الوطنية وإعادة توزيع المسؤوليات، بحيث تصبح الهزيمة عقلانية، والمقاومة عبئًا، والاحتلال مجرد واقعة تاريخية قابلة للمواءمة!
ثانيًا: أدوات التأثير الإعلامي والثقافي في الرأي العام
لم يكن تأثير ممثلي الصهيونية العربية محصورًا في الأفكار أو المقالات الأكاديمية، بل امتد إلى الفضاءات الإعلامية والثقافية، حيث شكلوا أجهزة غير مرئية لإعادة صياغة وعي الجماهير. في الصحافة، كانت المقالات التحليلية والإسهامات النقدية تبدو للوهلة الأولى كمراجعات للتاريخ، لكنها في العمق أعادت رسم الحدود بين الضحية والجلاد، وصورت الاحتلال بوصفه نزاعًا «متكافئًا» أو «طبيعيًا»، بينما تم تحميل المقاومة مسؤولية التصعيد والفشل. أمثلة ملموسة يمكن استحضارها من الصحف في العقود الأخيرة، وفي عديد من البلدان العربية، حيث نشرت مقالات نقدية للرواية الفلسطينية، مُخضبة بلغة الحداثة والواقعية، تُحاكي خطاب «الاعتدال» وتضفي على التطبيع الشرعية الفكرية.
أما في التعليم، فقد كانت المناهج إحدى ساحات الصراع الأكثر حساسية؛ إذ جرى تفريغ التاريخ من بُعده التحرري والمقاوم، وإحلال روايات شبه محايدة محل صور البطولة الوطنية، وتقديم الاحتلال كواقع تاريخي لا مفر منه، وتحويل فلسطين إلى ملف تفاوضي، بينما تم اختزال تجربة المقاومة إلى أخطاءٍ تكتيكية وعواطف مبالغ فيها. وهكذا، أصبح جيلٌ كامل من الطلاب معرضًا لتلقي نسخة من الواقع مفلترة، تُحول المأساة إلى عبء شخصي، والحق إلى قضية نسبية، والعدو إلى شريك محتمل في «المنطق الواقعي» الذي يُروجون له.
في السياسة والثقافة، استُخدمت الفعاليات الفكرية، والمنتديات الأدبية، والمحاضرات الأكاديمية، كمساحات لإعادة تأطير القضايا الوطنية، بحيث تبدو المقاومة والمطالبة بالحقوق خيارات متطرفة، بينما يُغدو الحوار مع إسرائيل «حكمة» و«ضرورة». وهكذا، عملت هذه الأدوات الإعلامية والثقافية كسلسلة من المسارب الخفية، تحمل الفكر الصهيوني إلى وعي الناس بلغة عربية مألوفة، تخفف من وطأة الخيانة المعلنة، وتحول القبول بالوجود الصهيوني في الوعي العربي من فرض سياسي إلى مسألة عقلانية «واعية»»، ليصبح التطبيع ممارسة عميقة الجذور، وتتحقق الأهداف من دون صخب الصدام المباشر، بل بهدوء التحول الفكري والثقافي!
ثالثًا: أقنعة الولاء وأساليب الإخفاء
السمة المميزة للصهيونية العربية لا تتمثل فقط في تبني أفكارها أو إعادة إنتاج سرديتها، بل في مهارة إخفاء الولاء الخارجي وراء أقنعة براقة من الحداثة والتقدم والتحرر؛ فقد صوَّر بعض المفكرين والسياسيين التطبيع والتقارب مع إسرائيل بوصفه خيارًا عقلانيًا للتقدم الوطني، أو خطوة نحو الانفتاح على العالم، بينما هو في جوهره تسليمٌ ضمني للهيمنة وتطبيعٌ للوجود الاستعماري. على سبيل المثال،، في أواخر السبعينيات، خرجت أعداد من المثقفين في مقالات صحفية ومؤتمرات أكاديمية، يروجون لفتح قنوات ثقافية وإعلامية مع إسرائيل بوصفها تجربة «تحررية» و«نموذجية» للديمقراطية والتكنولوجيا، دون أن يوضحوا أن هذا الانفتاح يتم على حساب الحقوق الفلسطينية والذاكرة الوطنية. وفي الفضاء الثقافي، كانت المسارح والمنتديات وفعاليات الأدب المُسمى «تقدميًا» أداة لتقديم إسرائيل كحليفٍ محتمل، حيث تُعرض الروايات الفلسطينية في إطار نقدي مبسط، ويُعاد تأطير المقاومة كعاطفة مفرطة أو تجاوز للمنطق، بينما تُعزَّز قيم الانفتاح والتعاون بوصفها رموزًا تقدمية. وهكذا يتحول الولاء الخارجي إلى موقف مقنع للضمير العربي، لا يثير صدمة مباشرة، بل يُسوَّق عبر اللغة والرموز والفلسفة السياسية على أنه اختيار حر وناقد، وكأنه فضيلة معرفية!
إنها مهارة مزدوجة: من جهة تُبقي الولاء للخارج مستترًا، ومن جهة أخرى تحيله إلى منطق «تقدمي» أو «تحرري»، بحيث يصبح القبول بالوجود الإسرائيلي، بل والعمل معه، أمرًا مشروعًا أخلاقيًا وفكريًا، بدلاً من أن يكون خيانة صريحة. ومن هنا، تتبدل المفاهيم: المقاومة تصبح تطرفًا، والخضوع يصبح حكمة، والتنازل عن الحقوق يصبح علامة نضج، بينما الحقيقة التاريخية والضمير الجمعي يخضعان لإعادة صياغة دقيقة، يفرضها الخطاب الناعم لهذه النخب، في إطار مسار طويل من التكيف الفكري والثقافي مع المشروع الصهيوني.
***
كشفنا في هذه الحلقة عن الوجه الخفي للصهيونية العربية، ليس بوصفها تنظيمًا أو كيانًا معلنًا، بل بوصفها شبكة فكرية وثقافية وسياسية متشابكة، حملتها نخب متباينة المشارب، من مثقفين وأكاديميين وكتاب إلى سياسيين وصحفيين، لم يرفعوا شعارات الولاء المباشر، لكنهم أعادوا إنتاج سردية الخصم على نحوٍ مخفي، وألبسوا الاحتلال غلاف العقلانية والحداثة، والمقاومة ثوب العاطفة المفرطة، والحق التاريخي ثوب الخلاف «المتوازن».
استعملت هذه النخب أدوات الإعلام والتعليم والثقافة بحنكة فذة، فحوَّلت المقال الصحفي إلى منبر لإعادة صياغة الوعي، وحوَّلت المنهج التعليمي إلى مساحة لتصفية الذاكرة الوطنية من بعديها التحرري والمقاوم، وحوَّلت الفعاليات الثقافية والأدبية إلى فضاءات تُعزّز الانفتاح على إسرائيل بوصفه فضيلة عقلانية ومثالًا تقدميًا. وكل ذلك، تم في ظاهر الأمر تحت شعارات الحداثة والواقعية والتحرر، بينما في الجوهر كان الولاء للخارج مستترًا، والاختيار الحر «الناقد» مجرد قناع لمصالح الخصم.
إن مهارة هذه النخب تكمن في تحويل الولاء الخارجي إلى خطاب مقنع، والتحكم في الوعي دون مواجهة مباشرة، بحيث تصبح الهزيمة مقبولة، والمقاومة مرفوضة، والتنازل عن الحقوق فضيلة، والقبول بالوجود الصهيوني جزءًا من «النضج الفكري». وفي هذا السياق، لا تكون الصهيونية العربية مجرّد تبنٍ مباشرٍ لأطروحات الحركة الصهيونية، بل سيرورةً أدق وأعمق: عملية ترويضٍ مستمر للذهن، وإعادة سبكٍ للذاكرة، وإعادة تعريفٍ للواجب الأخلاقي، بحيث يُخدم المشروع الصهيوني من غير أن يُرفع له شعار. إنها هندسة بطيئة للمفاهيم، يُعاد فيها تأويل التاريخ، وتُخفَّف وطأة الجرائم، ويُعاد توصيف الصراع حتى يفقد حدته الأصلية. ولذلك لا يُقاس هؤلاء بما يعلنونه صراحةً، بل بما يُسهمون في تطبيعه داخل الوعي العام. فهم لا يدافعون عن إسرائيل في كل مقام، بل يدافعون عن الشروط الفكرية التي تجعل وجودها أمرًا عاديًا، واعتداءاتها مادةً للجدل لا للإدانة، ومقاومتها فعلاً مشبوهًا يستحق المساءلة. وهنا تنكشف المفارقة الأشد قسوة: خطابٌ يتزيا بزي الحداثة، غير أن ثماره رجعية؛ يزعم التحرر، بينما يرسخ التبعية؛ يتحدث باسم العقل، فيما هو، في عمقه، إعادة صياغةٍ مهذّبة للهزيمة!
.webp)
%20(2).webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)