العلم بين وهم اليقين وفوضى الشك
لقد اتخذ الإنسان من العلم أداة لفهم العالم وتفكيك غموضه، غير أن هذا المسار لم يسلم من التشويه في بيئة مضطربة كهذه؛ فإذا بالعلم، في نظر فريق، يتحول إلى سلطة مطلقة تُختزل فيها الحقيقة، ويُطلب منها ما يتجاوز حدودها، بينما يُختزل، في نظر فريق آخر، إلى مجرد خطاب سُلطوي متحيز، أو قناع أيديولوجي يُخفي مصالحه خلف ادعاء الموضوعية. وهكذا، لا يعكس الانقسام موقفًا معرفيًا ناضجًا بقدر ما يكشف عن اختلال أعمق في البنية الثقافية والوعي النقدي، حيث يُساء فهم العلم في الاتجاهين معًا: تأليهًا أو تقويضًا.
في أحد قطبي الفكر، ينهض تصورٌ للعلم يكاد يرفعه إلى مرتبة المطلق المتعالي، فيغدو كأنه عقل كوني مكتمل، لا يخطئ ولا يحده تاريخ، قادر على أن يُفسر امتداد المجرة كما يفسر ارتجاف المعنى في أعماق الإنسان. غير أن هذا التصور المفرط للعلم لا يخلو من مفارقة عميقة: إذ يُطالب العلم فيه بما لم يزعم لنفسه يومًا، لأن بنيته ليست بناء يقينٍ مغلق، بل حركة دائمة من الفحص وإعادة الفحص، لا تتقدم عبر التثبيت، بل عبر الهدم الخلاق والتجاوز المستمر. وهكذا، فإن تحويله إلى عقيدة نهائية ليس إلا نزعًا لروحه النقدية، وإسكاتًا لصوته الداخلي الذي لا يقوم إلا على قابلية السؤال.
وفي الجهة الأخرى، يتشكل خطابٌ يذهب بالشك إلى أقصاه، فيرى في العلم مجرد بناء هش، عابر للسياقات، محكومًا بشروطه الاجتماعية والسياسية، وربما أداةً لإعادة إنتاج الهيمنة أو توظيف المصالح. وفي هذا المنظور تتلاشى الفواصل الدقيقة بين معرفةٍ صمدت عبر قرون من الاختبار والتصحيح، وبين فرضيات لم تتجاوز بعد طور الادعاء. ويغدو العالم كله مسرحًا لتكافؤٍ شامل، تتساوى فيه المعارف كما تتساوى الظنون، ويُرفع الشك من كونه أداةً نقدية إلى مرتبة الغاية النهائية. والحق أن هذا الإفراط في الهدم، إذ يبتغي فضح أوهام اليقين، ينزلق هو ذاته إلى وهمٍ موازٍ: وهمُ التسوية المطلقة بين ما لا يستوي، وإلغاءُ الفروق التي بها وحدها يقوم معنى المعرفة ذاتها.
وإذا كان هذان الطرفان يبدوان متناقضين، فإنهما يلتقيان في نقطة خفية: كلاهما يسعى إلى الهروب من القلق المعرفي؛ الأول يهرب إلى يقينٍ مطلق، والثاني إلى شكٍ مطلق. لكن الإنسان، بوصفه كائنًا عاقلاً، لا يسكن أيًّا من هذين المطلقين، بل يعيش في المسافة بينهما؛ في تلك المنطقة الرمادية التي لا تمنح راحة اليقين ولا تتركنا في فوضى العدم. وبعبارة أخرى، ربما كان الموقف الأكثر نضجًا لا يتمثل في اختيار أحد الطرفين، بل في الإقامة الواعية داخل هذا التوتر؛ أن نثق في العلم، لا لأنه معصوم، بل لأنه أفضل أداة نملكها حتى الآن لفهم العالم، ولأنه قابل للنقد والتكذيب. وأن نشك فيه، لا لنقوضه، بل لنحافظ على حيويته، وعلى تكاملية المعرفة؛ فالعلم، في نهاية المطاف، ليس مرآة صافية تعكس الواقع كما هو، ولا قناعًا زائفًا يخفيه، بل هو ممارسة إنسانية – تاريخية، متغيرة، ومفتوحة على المراجعة الدائمة.
لذلك، لا ينبغي أن نُعيد طرح السؤال القديم بصيغته الحاسمة: هل نكون مع العلم أو ضده؟ لأن هذه الصيغة ذاتها تفترض إمكان الوقوف خارجه، كحَكَمٍ أو خصمٍ أو بديل. بل الأجدر أن تحل محلها صيغة أعمق وأهدأ توترًا: كيف نُقيم علاقةً مع العلم، لا تُنزله منزلة الإله فيُعبد، ولا تُسقطه من مقام المعرفة فيُرفض؟
فالمسألة ليست في اختيار موقفٍ نهائي منه، بل في تعلم طريقة العيش معه داخل حدوده المتحركة: حدودٌ لا تُفهم كجدرانٍ مغلقة، بل كآفاقٍ تتبدل مع اتساع التجربة الإنسانية. إن الخطر لا يكمن في كون العلم محدودًا، فكل معرفة بشرية كذلك، بل في الطريقة التي نُسقط بها على هذه الحدود تصوراتٍ نهائية: إما أن نجعلها نهايةً لكل سؤال، أو نستخدمها ذريعةً لرفض كل جواب.
وباختصار، علاقتنا بالعلم ليست موقفًا نقوم بحسمه، بل هي علاقة توترٌ؛ حضورٌ نقديٌ يوازن بين الثقة بوصفها اعترافًا بفعاليته، والشك بوصفه ضمانًا لعدم تحوله إلى يقينٍ مغلق؛ ففي هذا التوازن وحده يبقى العلم حيًّا، ويبقى العقل مفتوحًا على إمكان الفهم دون أن يقع في أسر القداسة أو العدم.
.webp)
.webp)
%20(2).webp)
.webp)
.webp)
.webp)
%20(2).webp)