الصورة بوصفها دليلاً علميًا: من يحرس الشاهد البصري؟
من هنا يتجلى سؤالاً مُلحًا: إذا كانت منصات التواصل الاجتماعي، وهي فضاءات لا تقوم على اليقين ولا تدعي احتكار الحقيقة، قد رأت ضرورة تنبيه المتلقي إلى ما يمكن أن يلتبس عليه بصريًا، فكيف بالمؤسسات الأكاديمية، التي تنهض رسالتها على صيانة الصدق، وتُعرِّف نفسها بوصفها الحارس الأول للنزاهة العلمية؟ أليس من الأولى أن تتبنى هذه المؤسسات المبدأ ذاته، ولكن في ميدان أشد خطورة؟ لماذا لا تُرفق البحوث والرسائل العلمية التي استعانت بأدوات الذكاء الاصطناعي – سواء في الصياغة، أو الترجمة، أو التحليل، أو التوليد – بإفصاحٍ واضح يحدد طبيعة هذا الاستخدام وحدوده؟ فكما أصبحت الصورة مطالبة بالإفصاح عن تاريخ تكوينها، ينبغي للنص العلمي أيضًا أن يكون صريحًا في الكشف عن تاريخ إنتاجه؛ لأن الشفافية ليست عبئًا على الصدق، بل هي أحد شروط إمكانه.
لقد نجحت بعض الجامعات، إلى حدٍ بعيد، في بناء منظومات متقدمة لكشف التشابه النصي، حتى غدا إخضاع رسائل الماجستير والدكتوراه لبرامج فحص الأصالة إجراءً بديهيًا لا يكاد يُناقش (بغض النظر عن كفاءة هذه البرامج فيما يتعلق باللغة العربية). غير أن الكلمات ليست وحدها ما يصنع المعرفة، وليست النصوص وحدها ما يستحق الحراسة؛ فهناك الصور المجهرية، والصور الطبية، وصور الأقمار الصناعية، والرسوم البيانية، والخرائط، والوثائق المصورة؛ وكلها غدت اليوم قابلة للتوليد أو التعديل بوسائط الذكاء الاصطناعي، على نحوٍ قد يعجز البصر البشري عن تمييزه!
هنا تتخذ النزاهة العلمية وجهًا جديدًا؛ فإذا كان النص يحمل الفكرة، فإن الصورة تحمل البرهان؛ وإذا كان الاقتباس غير المشروع يُفسد الفكرة، فإن الصورة المصطنعة قد تُفسد الدليل ذاته. ومن ثم، فإن الصورة في البحث العلمي ليست عنصرًا جماليًا يخفف من كثافة الصفحات، ولا زينةً بصرية تُضفي على البحث شيئًا من الجاذبية، بل هي شاهد من شهود الواقع الفعلي. وحين يصبح الشاهد قابلاً للاصطناع، يغدو فحص شهادته واجبًا معرفيًا قبل أن يكون إجراءً تقنيًا؛ إذ لا تستقيم العدالة العلمية إذا اكتفت بالتحقق من صدق الأقوال، وأغفلت صدقية الشواهد التي تُقام عليها.
ولعلنا نقف اليوم على أعتاب تحولٍ في مفهوم التحكيم الأكاديمي ذاته؛ فلم يعد كافيًا أن تُراجع النصوص وحدها، بل ينبغي أن تمتد المراجعة إلى كل ما يزعم تمثيل الواقع: سواء أكان صورةً، أم رسمًا بيانيًا، أم وثيقةً بصرية، أم أي وسيط يتم تقديمه بوصفه دليلاً. وكما أصبحت برامج كشف الاقتباس جزءًا أصيلاً من أخلاقيات البحث العلمي، فقد آن الأوان لأن تصبح أدوات التحقق من أصالة المحتوى البصري، أو الإفصاح عن مدى تدخل الذكاء الاصطناعي في إنتاجه، جزءًا لا يتجزأ من منظومة النزاهة الأكاديمية. وليس في هذا دعوة إلى الارتياب في الذكاء الاصطناعي أو إلى إعلان الحرب عليه؛ فالمشكلة لا تكمن في الأداة، بل في غياب الشفافية بشأن استخدامها؛ فالذكاء الاصطناعي، شأنه شأن أية تقنية كبرى، لا يناقض الواقع من حيث المبدأ، وإنما يناقضه حين يُستخدم في الخفاء، أو يتم تقديم نتاجه على أنه شاهد لم تمسه يد. إن أخلاق العلم لا تقتضي الامتناع عن استخدام الأدوات الجديدة، بل تقتضي الصراحة في الإفصاح عنها؛ لأن الحقيقة لا تخشى التقنية، وإنما تخشى أن تتخفى التقنية في هيئة الحقيقة.
مع ذلك، فإن أدوات الكشف نفسها ليست بمنأى عن الخطأ؛ فهي، مهما بلغت دقتها، لا ينبغي أن تُمنح سلطة الحكم النهائي، ولا أن تتحول إلى قاضٍ يفصل في النزاعات المعرفية، وإنما ينبغي أن تُعامل بوصفها قرينةً تستدعي المراجعة، ووسيلةً تعزز الثقة، وليس بديلاً عن الخبرة العلمية والحكم الأكاديمي الرشيد؛ فالمشكلة ليست في استبدال الآلة بالإنسان، بل في أن تستعين المؤسسة العلمية بالآلة لتجعل من أحكامها أكثر موضوعية وشفافية. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى أن تُلزم الجامعات الباحثين بالإفصاح الصريح عن أي تدخل للذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور أو تعديلها، تمامًا كما تُلزمهم بالإفصاح عن مناهجهم، ومصادرهم، وأدواتهم البحثية؛ فالإفصاح ليس اعترافًا بنقصٍ في البحث، بل هو إعلانٌ عن نزاهته؛ لأن الأمانة العلمية لا تُقاس بما تم استخدامه من أدوات، وإنما بما تم الكشف عنه منها. وربما لن يكون السؤال الذي ستطرحه الجامعات في المستقبل: هل كتب الباحث هذا النص بنفسه؟ بل سؤالاً أشد عمقًا وأكثر اتصالاً بجوهر المعرفة: هل تمثل هذه الصورة الواقع حقًا، أم أنها لا تمثل سوى قدرة الخوارزمية على محاكاة الواقع بإتقان؟ فالفارق بين الاثنين ليس فارقًا تقنيًا، بل هو الفارق بين الدليل وتمثيله، وبين الحقيقة وصورتها!
إن عصرًا يستطيع فيه هاتفٌ صغير أن ينبه مستخدم منصةٍ اجتماعية إلى أن صورةً ما قد أُنشئت أو عُدلت بالذكاء الاصطناعي، لا يليق بمؤسساتٍ جعلت من الحقيقة رسالتها الأولى أن تظل تعتمد على العين المجردة وحدها في التحقق من الأدلة البصرية؛ فالنزاهة العلمية لا تُصان بحسن النيات، ولا بالثقة المجردة، وإنما تُصان بمنظومةٍ من الشفافية والإفصاح والمراجعة المستمرة. وإذا كانت الجامعات قد نجحت، خلال العقود الماضية، في بناء ثقافة تُحاسب النص على أصالته، فإن التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي اليوم هو أن تمتد هذه الثقافة إلى الدليل البصري ذاته؛ إذ لا يكفي أن نحرس العبارة، بينما نترك الشاهد الذي تستند إليه؛ فالحقيقة لا تقوم على الكلمات وحدها، بل على الأدلة التي تمنح تلك الكلمات مشروعيتها. ولعل هذه هي المعركة الحقيقية للنزاهة العلمية في العقود القادمة: أن ننتقل من حماية النص إلى حماية البرهان، ومن مساءلة المؤلف إلى مساءلة الدليل، ومن الثقة فيما نراه إلى التحقق من الكيفية التي جُعل بها مرئيًا. ففي زمنٍ أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على إنتاج ما يشبه الحقيقة، لن يكون الدفاع عن الحقيقة دفاعًا عن الواقع وحده، بل دفاعًا عن الشروط التي تجعلنا قادرين على التمييز بين الواقع وما يحاكيه.
%20(1).webp)
.webp)
.webp)
.webp)
!%20(1).webp)
.webp)
.webp)