-->

الأربعاء، 29 أبريل 2026

مفارقة الحرية والمعنى في رهان تشيخوف

أبريل 29, 2026

رجل يقرأ في غرفة فقيرة مظلمة يقابل رجلًا ثريًا يجلس في قاعة فاخرة، وبينهما باب مفتوح ومفتاح يرمز لمفارقة الحرية والمعنى.

    تُعد «الرهان» The Bet (1889) واحدة من أبرز القصص القصيرة التي كتبها «أنطون تشيخوف» Anton Chekhov (1860 – 1904)، إذ ينطلق فيها من واقعةٍ بسيطة في ظاهرها: رهانٍ بين مصرفي ثري ومحامٍ شاب؛ ليحولها تدريجيًا إلى مساحةٍ فكرية مفتوحة على تساؤلات الوجود والحرية والمعنى. 

    في البداية، يبدو الحوار الأخلاقي بين الطرفين نقاشًا نظريًا حول قيمة الحياة والموت، وحدود العقوبة والعزلة، لكن «تشيخوف» لا يلبث أن يدفع الفكرة إلى أقصاها، حيث تتحول التجربة إلى اختبارٍ إنساني قاسٍ يكشف هشاشة اليقينيات التي يتكئ عليها الإنسان في فهمه للعالم. ومن خلال العزلة الطويلة التي يختارها المحامي طوعًا، تتكشف مفارقة جوهرية: فالمقارنة لا تعود بين الغنى والفقر، وإنما بين شكلين من أشكال الحرية؛ حريةٍ مادية تفيض بالحركة لكنها قد تُخفي قيدًا داخليًا، وحريةٍ داخلية تولد من الانسحاب والتأمل، ولو في عزلةٍ خانقة. وهكذا يضع «تشيخوف» قارئه أمام توترٍ وجودي حاد: قد يكون الإنسان أكثر سجنًا وهو منغمسٌ في قلب العالم، وأكثر انعتاقًا حين يُجبر على الانفصال عنه، فيكتشف أن القيود الحقيقية ليست دائمًا خارجية، بل قد تكون في طريقة عيشه للعالم ذاته! هيا نقترب من القصة بقراءةٍ فلسفية.

***

    في صمت قاعةٍ فاخرةٍ يغشاها ضوءٌ خافت، كانت الكلمات تتصادم كما لو كانت في ساحة مناظرة. خارج الجدران، كان العالم يمضي بلا اكتراث؛ أما داخلها فقد كان الزمن ذاته يبدو مترددًا، كأنه يصغي لما سينطق به الحضور قبل أن يسمح له بالحدوث. في هذه القاعة، حيث كانت الرؤى والحُجج تحل محل الوقائع والحقائق، وتتحول الآراء إلى امتدادات للذات، اجتمع نفرٌ من الرجال حول مائدة عامرة بالجدل حول معنى الحياة دون النظر إلى تفاصيلها. أحدهم كان مصرفيًا ثريًا، يتكئ على يقينٍ ظنه بالمال صلبًا لا ينكسر، فقال واثقًا: «الموت بالإعدام رحمةٌ قاطعة؛ لحظة واحدة تُغلق كل أبواب الألم. أما السجن المؤبد فليس إلا عبورًا بطيئًا في نفقٍ لا ينتهي، تذوي فيه الروح قبل الجسد، وتُستهلك فيه الحياة قطرةً بعد قطرة». 

    ابتسم آخر، وكان مُحاميًا شابًا، ابتسامةً لا تزال تحتفظ ببراءة لم تمسسها التجربة بعد، وقال كمن يتشبث بفكرةٍ لكيلا يسقط في فراغها: «بل الحياة، مهما ضاقت، تظل أوسع من العدم. أن تبقى شاهدًا على وجودك، حتى لو كان ظلاً باهتًا، أهون من أن يتم محوك تمامًا من سجل الوجود»!

    وحين يعجز الإنسان عن حسم معنى العالم بالكلمات، ويضيق به الفكر عن إقناع الفكر الآخر، ينزلق الجدل من مرتبة الفكرة إلى اختبار الوجود ذاته. وهكذا، وُلد الرهان بين المصرفي والمحامي. ولم يكن اتفاقًا عابرًا بينهما، بل كان اختزالاً مأساويًا لفكرة الإنسان عن الحياة والموت. وافق الاثنان على رهانٍ قيمته مليونا روبل يدفعها المصرفي للمحامي إذا استطاع أن يَعيش مُنعزلاً في حبس انفرادي لمدة خمسة عشر عامًا! وبدأ تنفيذ الرهان!

    خمسة عشر عامًا امتدت كأفقٍ مغلق، بين جدران عزلةٍ لا تُشبه السجن بقدر ما تُشبه انطفاء العالم من حول الرجل. كان هناك وعدٌ بالثروة، يتدلى في بداية التجربة كخيطٍ واهن بين الخلاص والوهم، كأن الحياة ذاتها تُراهن على نفسها من خلاله. تم إغلاق الأبواب، لكن الإغلاق لم يكن على الجسد وحده، بل على العالم كله كما نعيشه: ضجيجه، عاداته، وبديهية حضوره. ولم تكن الوحدة في الأيام الأولى هادئة كما قد نتخيل، بل كانت صاخبة على نحوٍ غريب؛ صخب الداخل حين يتم إجباره على مواجهة نفسه. كان الزمن يرفض أن يمضي، ويتمدد بدلاً من ذلك ككتلةٍ صماء، أو كجدارٍ لا نهاية له ولا منفذ.

    تشبث السجين بالموسيقى، كأنها خيطٌ أخير يصله بما تبقى من الخارج، لكن ذلك الخيط سرعان ما ارتخى، ثم انقطع، كأنه أدرك متأخرًا أن ما كان يسمعه ليس إلا صدى عالمٍ لم يعد يخصه. ثم، ببطءٍ يُشبه الاستسلام العميق، تحولت العزلة من خصمٍ يهاجمه إلى مرآةٍ تعكسه. بدأ يقرأ. لكن القراءة هنا لم تكن فعلاً معرفيًا، بل كانت فعل التهامٍ داخلي، كأن النصوص هواءٌ متبقٍ في عالمٍ يغرق فيه. لم يكن يطالع الكتب، بل كان يبتلعها كما يبتلع الغريق آخر ما تبقى من الحياة: روايات، لغات، فلسفات، أديان ... لم تعد المعرفة تراكمًا، بل انفتاحًا متواصلاً على احتمالات الوجود. كل فكرة كانت بابًا، وكل باب كان خلفه عالمٌ قائمٌ بذاته، وكل صفحة كانت محاولة خجولة للاقتراب من ذلك السر الثقيل الذي نسميه «الوجود». ومع تراكم السنوات، بدأ شيء ما يتلاشى بهدوء. لم يعد الرجل هو نفسه؛ لم يعد ذلك الشاب الذي دخل الرهان بثقة الحياة في بدايتها، بل أصبح كائنًا آخر، لا يعيش داخل العالم، بل على تخومه؛ كأنه لم يعد جزءًا من المشهد، بل شاهدًا عليه من مسافةٍ لا يمكن العودة منها!

    في الجهة الأخرى، كان المصرفي يعيش نوعًا مختلفًا من السجن. لم يكن لسجنه جدرانًا تُرى، بل كان شيئًا أشد خفاءً وأشد إحكامًا؛ سجنٌ يُحاك من الداخل، اسمه الخوف! لم يتم غلق أبواب حصينة عليه، لكن ما التف حوله كان شيئًا آخر أشد بأسًا: كان قلقًا يتسع كلما حاول أن يطمئن، وهاجسًا يتغذى على كل محاولة للهروب منه! ثروته التي بدت يومًا بلا نهاية بدأت تتآكل ... والرهان، ذلك المزاح القديم، تحول إلى شبح: ماذا لو خسر الرهان؟ سؤال بسيط، لكنه كان كفيلاً بأن يسلب النوم من عينيه. ومع كل سنة تمر، كان يدرك أن خسارته لن تكون مالية فقط، وإنما وجودية: كيف لرجلٍ عاش عمره يراكم المال أن يرى نفسه فجأة فارغ اليدين؟ وفي لحظةٍ مظلمة، التقت فيها الحاجة بالخوف، وُلدت الفكرة الأكثر بدائية: أن يقتل الرجل!

    قبل انقضاء الزمن بلحظات، حين يصبح الانتظار أثقل من الحدث نفسه، دفع المصرفي الباب ودخل. لم يكن دخوله مجرد انتقال من مكانٍ إلى آخر، بل كان اقترابًا من مصيرٍ كان يؤجله في ذهنه، كأن الحقيقة لا تقع إلا إذا نظرنا إليها مباشرة. كان يتوقع أن يرى سجينًا كما ترسمه المخيلة: جسدًا متهالكًا، روحًا منكسرة، إنسانًا يتشبث بالحياة كما يتشبث الغريق بآخر نفس. لكن ما وجده لم يكن ذلك؛ كان هناك جسدٌ نحيل، يكاد يتخفف من مادته، كأن الوجود نفسه صار عبئًا عليه، وعينان لا تنتميان إلى هذا العالم كما يعرفه؛ عينان لا تطلبان، لا ترجوان، لا تنتظران. وكانت بينهما مسافة، لكنها لم تكن مسافة المكان، وإنما مسافة المعرفة حين تتجاوز ما يحتمله الآخر. اقترب… فوجد رسالة ... قرأ ... ومع كل سطر، لم يكن المعنى يتكشف فحسب،

بل كان شيءٌ داخله يتداعى، كأن الكلمات لا تُقال له، بل تُنزَع منه: «لقد عشت خمسة عشر عامًا لأفهم ما تعيشون لأجله، فوجدته وهمًا؛ المال، اللذة، الحكمة ... إلخ، كلها زائلة، كلها خدعة؛ أنتم تتشبثون بالسراب، وتسمونه حياة، أما أنا… فقد رأيت»! لم تكن هذه إدانة، بل كانت إعلان انفصال. ثم جاءت العبارة الأخيرة، قصيرة، حاسمة، خالية من أي انفعال: «أرفض الجائزة».

    وحين انتهى كل شيء، لم يكن هناك منتصر؛ المحامي لم يخسر، لأنه لم يعد يلعب؛ والمصرفي لم يربح، لأنه لم يعد كما كان. لقد خرج أحدهما من العالم لأنه لم يعد يراه جديرًا، أما الآخر فقد بقي فيه، لكن بشيءٍ ناقص، بفراغٍ لم يكن يعرف أنه موجود إلا حين كُشف له.

***

     أيهما كان السجين حقًّا؟

    ذاك الذي أُطبقت عليه الأبواب، فانفتحت في داخله آفاقٌ لا يمكن رؤيتها ولا قياسها؟ أم ذاك الذي ظل يترنم بالحرية، لكنه ظل أسير خوفٍ لا يُرى له قيد؟ 

    لعل الحكاية، في عمقها، لم تكن مفاضلةً بين رجلين، بل كشفًا لوهمٍ قديمٍ يتخفى في يقيننا: أن الامتلاك يمنح وجودنا معنى، وأن الفقد يُجرده منه. غير أن الحقيقة – كما لو أنها انبثقت من صمتٍ طويلٍ لروحٍ أنهكها الإدراك – تُعلن أن المعنى، إن كان له من وجود، لا نناله بالتملك، وأن الحرية ليست في اتساع المجال الخارجي، بل في القدرة على الانفلات من سطوته!

    لم يعرف الإنسان المعاصر سجنًا مغلق الأبواب كما عرفه بطل الحكاية، ولم يُحكم عليه بقضبانٍ مادية تحول بينه وبين العالم، ومع ذلك لم يكن السجن يومًا أوسع ولا أكثر خفاءً مما هو عليه الآن. الإنسان المعاصر يمضي في الطرقات، ويعبر المدن، ويطل على العالم من شاشاتٍ لا تنتهي، كأنه يفتح نوافذه كلها دفعةً واحدة؛ غير أن ما يطوقه اليوم أعمق من الجدران وأشد نفاذًا من الحديد: فيضٌ لا ينقطع من الصور، والنداءات، والمقارنات، والرغبات. كأن العالم لم يعد موطنًا للعيش، بل تيارًا جارفا يُعيد تشكيل الوعي دون استئذان. لم تعد العزلة هي السجن، بل صار الامتلاء ذاته هو القيد؛ قيدٌ لا نراه، لكنه يُقيم في داخلنا بإحكامٍ أشد من كل بابٍ موصد!

    كان ذلك الرجل يقرأ ليحيا، كأن القراءة عنده فعل نجاةٍ من ضيق العالم إلى فسحته الداخلية. أما نحن، فنقرأ لنؤجل مواجهة السؤال الأعمق: لماذا لم نفهم بعد؟ تمر المعرفة أمامنا كقطارٍ مسرعٍ لا ينتظر أحدًا؛ نكتفي بأن نُلوح له من الرصيف، نلتقط من نوافذه أسماءً وأشكالاً، ثم نعود إلى أماكننا كما لو أن شيئًا لم يحدث. لا نصعد، لأن الصعود يقتضي تحولاً لا نريده.

    تتكدس الأفكار في أذهاننا كما يتكدس الأثاث في غرفٍ مزدحمة، لكن الداخل يظل على حاله: فراغٌ ملتبس، سؤالٌ مُعلَّق، وانتظارٌ صامت للحظة صدقٍ لا تجد طريقها إلينا. كأننا حين تتهيأ المعرفة لتكون مرآة لنا، نرتاب من صورتنا فيها، فنُبقيها سطحًا مصقولاً لا يعكس إلا اللمعان، دون أن يجرؤ على كشف العمق! وفي قلب هذا الضجيج المتكاثر، يقف سؤالٌ بسيط، شديد البساطة حتى نكاد ننساه أو نتجاهله: لماذا؟ ليس سؤال الغاية المباشرة، ولا سؤال الوسيلة، بل ذلك السؤال الذي يتخفى خلف الحركة كلها: لماذا نركض بهذا الإصرار الذي لا يهدأ، وكأن الوصول – أيًّا كان شكله – قادرٌ وحده على تبرير الطريق؟

    كان المصرفي في الحكاية يظن أن المال هو خاتمة المعنى، وأن تراكمه يكفي ليمنح الحياة تفسيرها النهائي، غير أنه لم يكتشف إلا متأخرًا أن ما جمعه لم يكن إلا شكلاً مؤجلاً من أشكال الخوف، مُعاد صياغته في هيئة طمأنينة. أما نحن، فقد ورثنا الفكرة ذاتها، لكن في قوالب أكثر أناقة ولمعانًا؛ نقيس أعمارنا بأرقامٍ تتبدل، ونطلب من هذه الأرقام ثباتًا لا تملكه بطبيعتها؛ نضيف إلى حياتنا طبقاتٍ من الامتلاك، لا بدافع الحاجة، بل لأن التوقف بات أشبه بالانكشاف، والانكشاف صار مخيفًا أكثر من الفقد؛ ونواصل التراكم، لا لنمتلئ، بل لنهرب من لحظة سكونٍ قد تفضح السؤال الذي لم نجرؤ يومًا على طرحه!

    لم يعد الهروب فعلاً دراميًا يمكن أن نستدعيه عند المنعطفات الحادة، ولا بابًا نفتحه على عجل في ليلٍ متوتر. لقد تسرب إلى التفاصيل الصغيرة حتى صار نمطًا خفيًّا للعيش: تمريرٌ لا ينتهي، انشغالٌ بلا ضرورة، وحديثٌ يزدحم بالكلمات ويُفرغ المعنى في الوقت ذاته! نحن لا نهرب من العالم، بل من تلك اللحظة النادرة التي قد نُجبر فيها على مواجهة أنفسنا بلا وسائط، بلا ضجيجٍ يخفف حدة السؤال. ففي حضرة الصمت، لا تبقى الأقنعة صالحة للاستعمال، ولا يعود التظاهر ممكنًا، لأن الفراغ لا يُجامل! وربما هنا، في هذا التوتر الصامت، تتجدد المفارقة التي ألمح إليها «تشيخوف» دون أن تفقد شيئًا من حدتها: أن الحرية لم تكن يومًا في اتساع الخيارات، بل في القدرة على التخلي عنها؛ وأن الإنسان، كلما اتسعت يده بما تملك، ازداد احتياجه إلى شجاعةٍ أعمق، ليعترف في هدوءٍ قاسٍ بأن ما بين يديه قد لا يشبهه، وأن الامتلاك لا يضمن الانتماء، ولا يهب المعنى!

    لا تدعونا الحكاية إلى زهدٍ متعجل، ولا إلى انسحابٍ من العالم، ولا إلى نظرةٍ متعالية تحتقر ما فيه من رغباتٍ وضجيج. إنها لا تعظ، ولا تُصدر حكمًا، بل تهمس – كما لو كانت فكرةً تتردد في حافة الوعي – أن التوقف اليسير ليس ترفًا، بل ضرورة لرؤية ما تعذرت رؤيته وأنت منغمسٌ في الجريان. وأننا إن لم تمنح أنفسنا تلك المسافة الصغيرة التي نرى منها حياتنا كأنها تخص غيرنا، فقد نمضي بها كاملة، دقيقةً بعد دقيقة، دون أن نلامسها حقًّا؛ كأننا نعيشها من خلف زجاجٍ شفاف، نُتقن الحركة داخله، لكننا لا نخرج إليه أبدًا. ولعل الخطر الأعمق ليس في الخسارة، ولا في التعثّر، ولا حتى في الانكسار. بل في أن نبلغ خط النهاية، مُحملين بما ظنناه نجاحًا، ثم نكتشف في لحظة متأخرة، هادئة على نحوٍ مقلق، أننا لم نسأل يومًا السؤال الذي يجعل للسباق معنى: لماذا بدأناه أصلاً؟

    عندها فقط، يخبو بريق الرهان في عيوننا … إذ يكون المعنى قد انسحب بهدوءٍ خطوةً إلى الخلف، كظلٍ لا يتم إدراكه إلا متأخرًا، تاركًا إيانا نبلغ الطريق بكامل يقيننا، ثم نكتشف أن الوصول ذاته لم يكن إلا ضياعًا متقنًا في هيئة يقين!

***

الجمعة، 24 أبريل 2026

العلم بين وهم اليقين وفوضى الشك

أبريل 24, 2026

صورة رمزية تعبر عن العلم بين وهم اليقين وفوضى الشك مع شخص يسير بين مدينة منظمة ودوامة من الأسئلة

    الانقسام المجتمعي والإعلامي الحاد هذ الأيام حول العلم، ومنهجه ونتائجه ومكانته، ليس في الحقيقة مجرد تباين بسيط بين معرفة وجهل، ولا هو مواجهة ساذجة بين نور وظلام؛ بل هو في جوهره تعبير عن توتر أنطولوجي ومعرفي أعمق، يتفاقم داخل سياق مجتمع يعاني من هشاشة ثقافية، وتراجع تعليمي، وتجريف عقلي، واغتراب حضاري ممتد. في مثل هذا المناخ المختل، حيث تتداخل آثار الإرث التاريخي مع ضغوط الواقع السياسي والاقتصادي، ينقسم الوعي الجمعي ليتبنى مواقف حدية، لا بوصفها خيارات نقدية واعية، بل كاستجابات دفاعية لواقع مأزوم.

    لقد اتخذ الإنسان من العلم أداة لفهم العالم وتفكيك غموضه، غير أن هذا المسار لم يسلم من التشويه في بيئة مضطربة كهذه؛ فإذا بالعلم، في نظر فريق، يتحول إلى سلطة مطلقة تُختزل فيها الحقيقة، ويُطلب منها ما يتجاوز حدودها، بينما يُختزل، في نظر فريق آخر، إلى مجرد خطاب سُلطوي متحيز، أو قناع أيديولوجي يُخفي مصالحه خلف ادعاء الموضوعية. وهكذا، لا يعكس الانقسام موقفًا معرفيًا ناضجًا بقدر ما يكشف عن اختلال أعمق في البنية الثقافية والوعي النقدي، حيث يُساء فهم العلم في الاتجاهين معًا: تأليهًا أو تقويضًا.

    في أحد قطبي الفكر، ينهض تصورٌ للعلم يكاد يرفعه إلى مرتبة المطلق المتعالي، فيغدو كأنه عقل كوني مكتمل، لا يخطئ ولا يحده تاريخ، قادر على أن يُفسر امتداد المجرة كما يفسر ارتجاف المعنى في أعماق الإنسان. غير أن هذا التصور المفرط للعلم لا يخلو من مفارقة عميقة: إذ يُطالب العلم فيه بما لم يزعم لنفسه يومًا، لأن بنيته ليست بناء يقينٍ مغلق، بل حركة دائمة من الفحص وإعادة الفحص، لا تتقدم عبر التثبيت، بل عبر الهدم الخلاق والتجاوز المستمر. وهكذا، فإن تحويله إلى عقيدة نهائية ليس إلا نزعًا لروحه النقدية، وإسكاتًا لصوته الداخلي الذي لا يقوم إلا على قابلية السؤال.

    وفي الجهة الأخرى، يتشكل خطابٌ يذهب بالشك إلى أقصاه، فيرى في العلم مجرد بناء هش، عابر للسياقات، محكومًا بشروطه الاجتماعية والسياسية، وربما أداةً لإعادة إنتاج الهيمنة أو توظيف المصالح. وفي هذا المنظور تتلاشى الفواصل الدقيقة بين معرفةٍ صمدت عبر قرون من الاختبار والتصحيح، وبين فرضيات لم تتجاوز بعد طور الادعاء. ويغدو العالم كله مسرحًا لتكافؤٍ شامل، تتساوى فيه المعارف كما تتساوى الظنون، ويُرفع الشك من كونه أداةً نقدية إلى مرتبة الغاية النهائية. والحق أن هذا الإفراط في الهدم، إذ يبتغي فضح أوهام اليقين، ينزلق هو ذاته إلى وهمٍ موازٍ: وهمُ التسوية المطلقة بين ما لا يستوي، وإلغاءُ الفروق التي بها وحدها يقوم معنى المعرفة ذاتها.

    وإذا كان هذان الطرفان يبدوان متناقضين، فإنهما يلتقيان في نقطة خفية: كلاهما يسعى إلى الهروب من القلق المعرفي؛ الأول يهرب إلى يقينٍ مطلق، والثاني إلى شكٍ مطلق. لكن الإنسان، بوصفه كائنًا عاقلاً، لا يسكن أيًّا من هذين المطلقين، بل يعيش في المسافة بينهما؛ في تلك المنطقة الرمادية التي لا تمنح راحة اليقين ولا تتركنا في فوضى العدم. وبعبارة أخرى، ربما كان الموقف الأكثر نضجًا لا يتمثل في اختيار أحد الطرفين، بل في الإقامة الواعية داخل هذا التوتر؛ أن نثق في العلم، لا لأنه معصوم، بل لأنه أفضل أداة نملكها حتى الآن لفهم العالم، ولأنه قابل للنقد والتكذيب. وأن نشك فيه، لا لنقوضه، بل لنحافظ على حيويته، وعلى تكاملية المعرفة؛ فالعلم، في نهاية المطاف، ليس مرآة صافية تعكس الواقع كما هو، ولا قناعًا زائفًا يخفيه، بل هو ممارسة إنسانية – تاريخية، متغيرة، ومفتوحة على المراجعة الدائمة.

    لذلك، لا ينبغي أن نُعيد طرح السؤال القديم بصيغته الحاسمة: هل نكون مع العلم أو ضده؟ لأن هذه الصيغة ذاتها تفترض إمكان الوقوف خارجه، كحَكَمٍ أو خصمٍ أو بديل. بل الأجدر أن تحل محلها صيغة أعمق وأهدأ توترًا: كيف نُقيم علاقةً مع العلم، لا تُنزله منزلة الإله فيُعبد، ولا تُسقطه من مقام المعرفة فيُرفض؟

فالمسألة ليست في اختيار موقفٍ نهائي منه، بل في تعلم طريقة العيش معه داخل حدوده المتحركة: حدودٌ لا تُفهم كجدرانٍ مغلقة، بل كآفاقٍ تتبدل مع اتساع التجربة الإنسانية. إن الخطر لا يكمن في كون العلم محدودًا، فكل معرفة بشرية كذلك، بل في الطريقة التي نُسقط بها على هذه الحدود تصوراتٍ نهائية: إما أن نجعلها نهايةً لكل سؤال، أو نستخدمها ذريعةً لرفض كل جواب.

    وباختصار، علاقتنا بالعلم ليست موقفًا نقوم بحسمه، بل هي علاقة توترٌ؛ حضورٌ نقديٌ يوازن بين الثقة بوصفها اعترافًا بفعاليته، والشك بوصفه ضمانًا لعدم تحوله إلى يقينٍ مغلق؛ ففي هذا التوازن وحده يبقى العلم حيًّا، ويبقى العقل مفتوحًا على إمكان الفهم دون أن يقع في أسر القداسة أو العدم.

صيف الإسكندرية واضطراب الإيقاع

أبريل 24, 2026

صيف الإسكندرية على كورنيش البحر مع زحام المدينة والأمواج في مشهد يعكس اضطراب الإيقاع الصيفي

     في الصيف، لا تعود المدينة كما كانت؛ لا لأن ملامحها تتبدل فحسب، بل لأن روحها ذاتها تدخل طورًا آخر من أطوار الوجود، كأنها تعيد تعريف ذاتها تحت وطأة الضوء والحرارة والوجوه الجديدة!

    مع أولى بشائر القيظ، تنزع الإسكندرية عنها هدوءها كما يُنزع الثوب عند اشتداد الحر، لا تخلع فقط ما كان يقيها، بل تخلع معه إيقاعها المألوف، ذلك الإيقاع الذي كان ينساب على مهل، بين شرفات تعرف أسماء أصحابها، وأرصفة تحفظ خُطى العابرين. ثم، في حركةٍ تكاد تكون قدرية، ترتدي صخبًا كثيفًا، صخبًا لا يسمعه أهلها فحسب، بل يعيشونه؛ يتكاثف في الهواء، يتسلل إلى النوافذ، يلتصق بجدران البيوت، ويعيد تشكيل نبرة الأصوات حتى تبدو الكلمات وقد اكتسبت خشونة لم تكن فيها من قبل. أما البحر – ذلك الكائن الأثير الذي يقف على تخوم المدينة – فلا يبدو مندهشًا؛ يراقب هذا التحول بعينٍ عتيقة، كمن شهد تحولات لا تُحصى، ويعلم في قرارة مائه أن المدن، على رسوخها الظاهر، أكثر قابلية للتبدل من أمواجه؛ فالموج، مهما اضطرب، يعود إلى نسقه؛ أما المدينة، فإذا اضطربت، فقد تعيد كتابة نسقها كله.

    وليست الحكاية حكاية زحام، كما قد يُظن لأول وهلة؛ فالزحام، في جوهره، مُعطى يمكن اختزاله إلى أرقام، إلى كثافةٍ بشرية أو مرورية قابلة للقياس. لكن ما يطرأ على الإسكندرية في الصيف يتجاوز حدود الفيزياء إلى تخوم المعنى؛ إنه احتكاك صامت، وأحيانًا صاخب، بين عوالم متجاورة لا تندمج تمامًا: بين إيقاعات زمنية مختلفة، بين رؤى متباينة لماهية العيش ذاته، بين من يرى في المدينة ملاذًا مؤقتًا وساحةً عابرةً للمتعة، ومن يراها امتدادًا لذاته.

    أهل المدينة – أولئك الذين تخلَّق وعيهم على إيقاع البحر – لا يعيشون في تسارع العواصم الكبرى، ولا في سكون القرى المنغلقة؛ إنهم يقيمون في منطقةٍ وسطى، حيث يتجاور البطء واليقظة، وحيث يسمح الإيقاع للحياة بأن تُعاش دون الاكتفاء باستهلاكها. ومن هذا الإيقاع تولد حساسية خاصة تجاه المكان، حساسية تكاد تكون حاسة سادسة: يعرفون متى يتغير الهواء، ومتى يتبدل مزاج الشارع، ومتى يختل توازن الألفة. المدينة، بالنسبة لهم، ليست خريطة مرسومة، وإنما ذاكرة يعيشونها. هي مقهى لا يحتاجون فيه إلى التعريف بأنفسهم، شارعٌ يعرف وقع خطواتهم قبل أن يمشون فيه، نسيمٌ يتواطأ معهم في لحظات الصفاء، ويشتد حين يثقل الصدر. هذا التراكم الصغير، غير المرئي، من التفاصيل الحميمة، لا يُقاس، لكنه يتراكم ببطء حتى يصير شعورًا خفيًا بالانتماء، شعورًا يتجاوز القانون إلى الوجدان: ليست هذه مدينتنا لأننا نملكها، بل لأننا سكناها حتى سكنتنا.

    بهذه الرؤية، لا يعود التحول الصيفي واقعةً عابرة ندركها ببساطة الحواس، بل يغدو ظاهرةً وجودية تتخفى في هيئة موسم؛ إنه ليس تبدلاً في الضوء أو ازدحامًا في الطرقات فحسب، بل هو امتحان خفي لمعنى الانتماء ذاته: إلى أي حد يظل المكان وفيًّا لصورته الأولى حين تتكاثر فيه الذوات وتتشابك نواياها؟ وإلى أي حد تصمد الذاكرة، وهي الحارس الأخير للهوية، حين تتدافع فوقها لحظات لا تمت إلى أصلها بصلة، بل تنافسها وتزاحمها على حق البقاء؟

    الصيف، في هذا السياق، لا يجيء كزائر لطيف نستقبله ونودعه بعد شهور قليلة، بل كقوةٍ مكتسحة تحتل المكان وتعيد ترتيبه على عجل وفق منطقها. تتكاثر الوجوه كما لو أن المدينة تستعير ملامح غيرها، وتتضاعف الخطى حتى يفقد الزمن إيقاعه القديم. في أيامٍ أو أسابيع، يُعاد تأليف ملامح الطقس اليومي من جديد: الطريق الذي كان امتدادًا هادئًا للخطوة يصبح متاهةً من التخبط والانتظار، والبحر الذي كان يُرى كنافذة مفتوحة على الأفق ينزاح إلى الخلف، محجوبًا بكتل بشرية تُعيد تعريف المسافة بين الإنسان والأفق!

    هنا يتسلل الضيق والضجر إلى صدور أهل المدينة، لا بوصفهما رفضًا للآخر (زُوار المدينة) بقدر ما هو حنينٌ إلى الإيقاع المفقود؛ إنه ارتباكٌ في النبض، اختلالٌ في تلك الموسيقى الخفية التي كانت تُنظم العلاقة بين الإنسان ومحيطه. «الآخر» هنا ليس مجرد فراغ يقتحم المشهد، بل كينونة كاملة تحمل عالمها الخاص، وتستقدم معها نظامًا مختلفًا من الرؤية ونمط الحياة. القادم من الريف أو من مدنٍ ذات إيقاع مغاير لا يرى المدينة في الغالب كما يراها قاطنها؛ فهو لا يلتقط هدوءها في المقام الأول بوصفه قيمة منشودة، بل يكتشف فيها فسحةً نادرة، لحظة انعتاق من ثقل الضرورة، من العمل المتكرر، ربما من قيود قريته وقيظ مدينته، وربما من ضيق العيش وقسوة الاقتصاد. إنه لا يأتي ليصون الصمت، بل ليقتطع نصيبه من الضجيج الذي يراه متعة. وهنا تنكشف المفارقة في أنقى صورها: إرادتان تتقاطعان دون أن تتلاقيَا؛ إرادةٌ تسعى إلى الحفظ، إلى تثبيت المعنى في موضعه، وإلى صون الذاكرة من التآكل؛ وأخرى تنزع إلى الاستهلاك، وإلى اقتناص اللحظة قبل أن تنفلت، وإلى تحويل المكان إلى تجربة عابرة. أحدهما يرى المكان امتدادًا لذاته، مرآةً لهويته المستمرة؛ والآخر يراه استثناءً، انقطاعًا مؤقّتًا عن سياقٍ أثقل كاهله. وبين الامتداد والاستثناء، وبين الاستقرار والانفلات، يتولد ذلك التوتر الصامت. وحين يعجز هذا الاختلاف عن أن يجد لغته المشتركة، لا يبقى سوى أن يتحول إلى أحكام: كل طرفٍ يختزل الآخر في صورة، ويؤوله وفق خوفه أو رغبته. وهكذا، بدل أن يكون الصيف مساحةً للتعدد، يغدو ساحةً خفيّة للصراع على معنى المكان ذاته: هل هو ذاكرة نروم الحفاظ عليها، أم لحظة نستهلكها؟ وهل يمكن له، في نهاية المطاف، أن يكون الاثنين معًا دون أن يفقد نفسه؟

    من هنا، لا تتدفق الكلمات والأوصاف بوصفها أدواتٍ بريئة، بل ككائناتٍ مُحمَّلة بذاكرة خفية، تحمل في طياتها آثار استعمالٍ طويل، وترسبات نظراتٍ متراكمة. تبدو الكلمة للوهلة الأولى بسيطة، شفّافة، لكنها، في العمق، أشبه بوعاءٍ قديمٍ امتلأ عبر الزمن بمعانٍ لم نعد نراها، وإن ظلت تؤثر. وهكذا، لا يُعاد تشكيل الواقع فحسب، بل تُعاد صياغته لغويًا: كل ما هو خارج المدينة يُختزل في صورةٍ واحدة، والمدينة تُرفع إلى صورةٍ مقابلة، كأن التعقيد البشري يمكن ضغطه في ثنائيةٍ سهلة الهضم. تظهر «نحن» و«هم»، لا بوصفهما حقيقتين قائمتين، بل كحيلتين ذهنيّتين تمنحان شعورًا سريعًا بالوضوح. في هذه القسمة، يتوارى الالتباس لصالح يقينٍ مُريح: نحن الأكثر رقيًا، هم الأقل؛ نحن الأهدأ، هم الأشد صخبًا. لكن هذا الوضوح ليس إلا قناعًا دفاعيًا، يرتديه الوعي حين يشعر باهتزازٍ ما – حتى لو كان هذا الاهتزاز مجرد ازدحام يخلخل الإيقاع المألوف. 

    المفارقة، في عمقها، تكاد تكون ساخرة: فالمدينة التي تضيق بهذا «الآخر» لا تستقيم حياتها التجارية الصيفية بدونه. فاقتصاد الموسم، ونبض الأسواق، وامتلاء الأمكنة، وتجدد فرص العمل – كلها تتغذى من حضوره؛ كأن المكان، في لحظةٍ واحدة، ينفي ويستدعي، يرفض ويعتمد، يضيق ويحتاج. وليست هذه مفارقة عابرة تخص مدينةً بعينها، بل هي سمة تكاد تلازم كل مكان يتحول إلى مقصد: إنه يشتهي الزيارة بوصفها اعترافًا بقيمته، لكنه ينفر من الاستهلاك حين يهدد صورته عن نفسه!

    غير أن المسألة، إذا ما أُمعنا النظر فيها، تتجاوز حدود الجغرافيا وأسماء المدن؛ إنّها تمس علاقة الإنسان بالمكان حين يتبدل فجأة، وتلامس خوفه القديم من فقدان الألفة، من انكسار الاستمرارية التي تمنحه شعورًا بالثبات. وعند هذه اللحظة، يميل الوعي إلى البحث عن تفسيرٍ سريع، فيجد في «الآخر» مرآةً يُعلق عليها ارتباكه، بدل أن يقرأ التحول بوصفه جزءًا من طبيعة العالم. الضيق، إذن، ليس خطيئة في ذاته؛ إنه استجابة إنسانية لفقدان الإيقاع، وارتباك أمام التغير. لكنه يبدأ في التحول إلى مأزق حين يتصلب، حين يغادر كونه شعورًا عابرًا ليصير حكمًا عامًا، أو نظرةً دونية، أو يقينًا مغلقًا يرى في الاختلاف نقصًا لا تنوّعًا. عندها، لا تعود المشكلة في التغير، بل في عجزنا عن احتماله، وفي استعجالنا تحويله إلى معنى نهائي يريحنا، ولو على حساب الحقيقة.

    لعل ما نميل إلى تسميته حلاً ليس في جوهره سوى إعادة نظرٍ أكثر صدقًا وأقل تجميلاً للواقع؛ فالمسألة لا تُختزل في قدوم الناس أو انصرافهم، ولا في انغلاق المدينة أو انفتاحها، بل في الكيفية التي يُعاش بها هذا التلاقي القسري بين إيقاعاتٍ متباينة؛ أن يُفهم الاختلاف بوصفه اختلافًا، نعم – لكن أيضًا أن يُرى أثره حين ينفلت من حدوده، حين لا يعود تنوعًا، بل ضغطًا يُثقل المكان حتى يختل توازنه.

    أن يدرك الزائر أنّه لا يدخل فراغًا، بل كيانًا هشًّا له طاقة احتمال، وأن المُتعة، حين تنفصل عن المسؤولية، قد تتحول إلى شكلٍ من أشكال الإفساد. فالبحر، الذي كان قبل الصيف صفحةً زرقاء مفتوحة على صفاءٍ ما، لا يعود كذلك؛ بل تتكدس فيه آثار العابرين، تختلط مياهه بما يُلقى فيها وما يُترك عليها، حتى تميل أحيانًا إلى اخضرارٍ كئيب، كأنها تعكس إرهاقها أكثر مما تعكس السماء. هنا، لا يعود المشهد مجرد اختلاف في طريقة الاستمتاع، بل يتحول إلى سؤالٍ عن حدود الحق في الاستهلاك: متى تصير المتعة عبئًا على الشيء الذي يمنحها؟

    في المقابل، يجد المقيم نفسه وقد انقطعت صلته اليومية بما اعتاده؛ فالمدينة التي كان المرء يعيش فيها بخفةٍ نسبية تصبح عبئًا ثقيلاً: الطرق مختنقة، الإيقاع مكسور، وأبسط تفاصيل الحياة – من قضاء الحاجات إلى مجرد الخروج – تغدو مهمة شاقة. حتى المصايف، التي كانت امتدادًا طبيعيًا لروتينه الصيفي، تتعطل؛ إما يُقصى عنها بالازدحام، أو ينسحب منها طوعًا، باحثًا عن ملاذٍ خارج مدينته، كأنه هو العابر وليس المُقيم. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: أن يُدفع ابن المكان إلى الهجرة المؤقتة منه، هربًا من كثافة الحضور فيه، بينما بمرح فيه الزائر.

    ليست المشكلة، إذن، في «الآخر» في حد ذاته، ولا في الرغبة في الفرح، بل في غياب ذلك الوعي الدقيق بحدود المكان، بقدرته المحدودة على الاحتمال. حين يغيب هذا الوعي، يتجاوز الاختلاف كونه تنوعًا ليصبح اختلالاً، وتتحول المشاركة في المكان إلى نوعٍ من التنازع عليه، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة. ومع ذلك، يظل البحر – في عمقه البعيد – أوسع من كل هذا؛ يمر عليه الجميع، لكنه يحتفظ، في مكانٍ ما من امتداده، ببرودةٍ لا تصلها الفوضى، وصفاءٍ لا تفسده العابرية، وكأنه يذكر، بصمته، أن الأماكن لا تُختزل في لحظة اختلالها، لكنها أيضًا لا تبقى بريئة مهما تكرر الاعتداء عليها.

    هكذا، لا تعود المدينة في الصيف كما يريدها أهلها، ولا كما يتخيلها زوارها. إنها تنقلب إلى كيانٍ ثالث، يتشكل، ليس فقط من التقاء الرغبات، بل من تصادمها أيضًا، من جمالٍ محتمل يختلط بتشوهٍ واقع، ومن سؤالٍ مفتوح: كيف يمكن لمكانٍ أن يبقى حيًّا، إذا استُهلك أكثر مما يُحتمل؟

الثلاثاء، 14 أبريل 2026

كورنيل ويست (صرخة الفلسفة في زمن الضجيج)

أبريل 14, 2026

كورنيل ويسا (صرخة الفلسفة في زمن الضجيج)

    تحت أضواءٍ باهتة تتكسر على أرصفةٍ مبتلة بعد مطرٍ عابر، بدت المدينة كأنها تستيقظ على حكايةٍ لم تكتمل بعد. كانت شوارع بوسطن تبدو كأنها صفحةٌ رمادية من كتابٍ لم يُحسم تأويله بعد. هناك، وسط هذا الصمت المُبلل، كان رجلٌ أسود البشرة يشق الطريق بخطواتٍ واثقة، خطواتٍ لا تعرف التردد، ولا تشبه مشي الفلاسفة حين يغرقون في تأملاتهم، بل تشبه اندفاع فكرةٍ وُلدت لتوها في عقلٍ صاخبٍ وترفض أن تُؤجل! كان شعره الكثيف يتطاير كأنه احتجاجٌ حي على الجاذبية، وصوته ينساب في الفضاء كنداءٍ يحمل نبرة الواعظ وحرارة الشاعر في آنٍ واحد؛ نداء يزاوج بين خشوع دور العبادة القديمة وتمرد الأرواح التي لم ترض يومًا بأن تُؤطَّر. لم يكن صوته مجرد تعبير، بل كان فعلاً؛ فعل مقاومةٍ لغبار الاعتياد، وإعلانًا بأن اللغة يمكن أن تكون ساحةً للنضال مثلها مثل الشارع.

    لم يكن المارة، أولئك الذين اعتادوا أن تمر بهم الوجوه كما تمر الفصول، يتخيلون أن هذا الرجل – الذي بدا كأنه خرج لتوه من ملحمةٍ عن الحرية أو من ذاكرةٍ جماعية مثقلة بالألم – سيغدو يومًا أحد أبرز وجوه الفلسفة المعاصرة. لم يكن في مظهره ما يوحي بالنجاح الأكاديمي كما تصوره المؤسسات، لكن فيه ما هو أعمق: شرارة السؤال الذي لا يهدأ.

    ثم صار ما لم يكن مُتوقعًا

    صار كورنيل ويست Cornel West: الفيلسوف الذي لم يقبل أن تُختزل الفلسفة في أبراجٍ عاجية، ولا أن تُختصر في مقالاتٍ أنيقة تُقرأ بلا أثر، فالفكر الذي لا ينخرط في معركة الوجود ليس سوى ترفٍ لغوي، والحكمة التي لا تضع صاحبها في مواجهة الظلم ليست إلا لباقةً مهذبة تخشى الحقيقة!

    ويست لا يُشبه أحدًا لأنه لم يحاول أن يُشبه أحدًا. إنه كائنٌ مركب من طبقاتٍ إنسانيةٍ متراكبة: فيلسوفٌ يُفكر، نعم، لكنه أيضًا موسيقي يُنصت إلى إيقاع الروح، وناشطٌ يشتبك مع الواقع، وسياسي لا يثق بالسياسة إلا حين تستعيد معناها الأخلاقي، ومؤرخ يرى في الماضي جُرحًا مفتوحًا وليس مجرد سجلٍ منتهٍ، وواعظٌ لا يَعِظ من موقع السكينة، وإنما من قلب العاصفة. إنه مزيجٌ نادر من الضمير والاحتجاج، من الحُلم الذي يرفض أن يموت، والندبة التي ترفض أن تُنسى؛ من غضبٍ ليس نزوةً وإنما حقٌ أخلاقي، ومن رحمةٍ ليست ضعفًا بل عُمق رؤية. فيه يتجاور الألم والأمل، كأنهما وجهان لحقيقةٍ واحدة: أن الإنسان لا يكتمل إلا بمقدار ما يقاوم ويغفر في آنٍ واحد. وإذا كان بعض الفلاسفة قد سعوا إلى تقريب الفلسفة من الحياة اليومية، فإن كورنيل ويست ذهب أبعد من ذلك: لقد حوَّل الفلسفة إلى صرخة. صرخةٍ لا تُقال لتُسمع فقط، بل لتوقظ، لتُحرض، لتكسر الصمت الثقيل الذي يغلف الكرامة حين تُهدر.

    تلك صرخةٌ لا تزال تتردد، ليس في قاعات الجامعات فحسب، وإنما في الشوارع، وفي وجوه المحتجين، وفي اللغة السياسية حين تتذكر – ولو للحظة – أنها وُجدت من أجل الإنسان، وليس العكس!

***

    وُلد كورنيل ويست سنة 1953 في ساكرامنتو Sacramento (عاصمة ولاية كاليفورنيا الأمريكية)، في قلب جغرافيا مثقلة بتاريخٍ لم يبرأ بعد من جروحه. كانت أسرته من أولئك الذين ينسجون الحياة بخيوط العمل اليومي الصامت، حيث الكرامة تُكتسب بالجهد ولا تُمنح بالامتياز. غير أن المكان، رغم بساطة العيش فيه، لم يكن بريئًا؛ فقد كان يحمل في طبقاته العميقة آثار انقسامٍ لم تُمحه القوانين، وإن حاولت أن تُخفيه اللغة!

    في طفولته، لم يكن العالم صفحةً بيضاء، بل نصًّا مكتوبًا بلونين: لونٍ يُفتح له الطريق، وآخر يُختبر عند كل زاوية. التمييز العنصري لم يكن مجرد فكرةً، بل تجربةً معيشية؛ والفقر لم يكن رقمًا في إحصائية، بل ظلاً يمتد على تفاصيل الحياة؛ أما الظلم، فكان حاضرًا لا كحادثةٍ طارئة، بل كبنيةٍ تتخفى في العادات، وتُعيد إنتاج ذاتها في صورٍ متجددة. ومع ذلك، لم تُنتج هذه القسوة روحًا مكسورة ولا غضبًا أجوف. لقد فعلت شيئًا أعمق: صاغت داخله حساسيةً أخلاقيةً متوهجة، كأن الألم ذاته قد تحول إلى بوصلة. هناك، في قلب التناقض، بدأ يتشكل وعيه بأن كرامة الإنسان ليست منحةً تُعطى، ولا امتيازًا يُنتزع، بل هي حقيقة أولى، تولد مع الإنسان كما يولد النَفَس. وأن الظلم، مهما تغيرت أقنعته، ليس عرضًا عابرًا، بل هو نظامٌ يتطلب وعيًا يقاومه، وليس صمتًا يتم الاعتياد عليه.

    كبر «ويست» بين ثلاثة عوالم تتقاطع دون أن تتصالح تمامًا: كنيسة بروتستانتية تُعلمه أن الرحمة فضيلة عليا، وشوارع تُعلمه أن الرحمة بلا مقاومة قد تتحول إلى تواطؤ، ومدارس تُذكره بصرامةٍ باردة أن اللون لم يزل جدارًا خفيًا يفصل بين البشر، حتى وهم يجلسون في الصف ذاته. كان عليه أن يتعلم، مبكرًا، كيف يعيش في هذا التوتر: أن يؤمن بالمحبة دون أن يغفل العدالة، وأن يرى في الإيمان طاقةً للفعل، لا مبررًا للاستسلام. ومن هذا التشابك، لم تبدأ مسيرته الأكاديمية فحسب، بل بدأت حكايته الوجودية. لم يكن طريقه إلى الفلسفة انتقالاً من الجهل إلى المعرفة، بل من الإحساس إلى الوعي، ومن الجرح إلى السؤال. لقد تعلم العدل قبل أن يقرأ عنه، واختبر الظلم قبل أن يضع تعريفًا له، فلم تعد الفلسفة عنده ترفًا ذهنيًا، بل محاولةً دؤوبة لصياغة معنى لما عاشه، ولتحويل التجربة إلى موقف، والموقف إلى مسؤولية.

    هكذا، لم يولد فيه الفيلسوف داخل قاعة درس، بل في تلك المسافة المشحونة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن. هناك، تحديدًا، بدأ كورنيل ويست يتكون: لا كعقلٍ يفكر فحسب، بل كضميرٍ يتألم، ويُصر على أن الألم، حين يُفهم، يمكن أن يصبح بداية العدالة!

***

    ينتمي كورنيل ويست إلى تلك السلالة النادرة من الفلاسفة الذين لا يكتفون بأن يكتبوا أفكارهم، بل يعيشونها كأنها قدرٌ يومي. عنده، الكلمة ليست حبرًا يُسكب على الورق، بل نَفَسٌ يتخذ أشكالاً متعددة: يغدو غناءً حين تضيق العبارة، وصرخةً حين تُخنق الحقيقة، ودمعةً حين يتكشف عمق الجرح، وخطبةً حين يستدعي الضمير جمهوره، واحتجاجًا حين يرفض الواقع أن يُصلِح نفسه.

    في كتبه، لا نجد الفلسفة بوصفها بناءً نظريًا مغلقًا، بل بوصفها عقيدةً قلبية؛ إيمانًا حيًّا يتشكل في تماسه مع الألم الإنساني. فحين نقرأ «الديمقراطية مهمة: كسب المعركة ضد الإمبريالية» Democracy Matters: Winning the Fight Against Imperialism (2004)، أو «الأمل على حبل مشدود: كلمات وحكمة» Hope on a Tightrope: Words & Wisdom (2008)، لا نشعر أننا أمام نصوصٍ نقوم بتحليلها، بل أمام مرايا قاتمة تعكس وجوه أمريكا كما هي: بجثرحها المفتوح، وبعُنفها الكامن، وبازدواجيتها السياسية والأخلاقية، وبأحلامها التي كثيرًا ما وعدت بالخلاص ثم تُركت تتآكل في الانتظار؛ إنها مرايا لا تُجامل، بل تُجبر الناظر فيها أن يرى ما اعتاد أن يتجاهله!

     لغة «ويست» ليست محايدة، ولا تسعى إلى الحياد أصلاً؛ إنها لغةٌ مشحونة، تتردد فيها أصداء «مارتن لوثر كينغ» Martin Luther King Jr (1929 – 1968) في نبرتها الوعظية التي تستدعي الضمير، وترتج فيها ظلال «فريدريك نيتشه» Friedrich Nietzsche (1844 – 1900) في قدرتها على زعزعة المسلّمات، وتشتعل فيها حرارة «فرانتز فانون» Frantz Fanon (1925 – 1961) في فضحها للبُنى العميقة للاضطهاد. لكنه لا يُقلد أحدًا؛ بل يمتص هذه الأصوات ليُعيد تشكيلها في نبرةٍ خاصة به، نبرةٍ تتكلم من الداخل، من تجربةٍ معاشة لا من تأملٍ بعيد. إنه يمزج بين صرامة الفلسفة التحليلية وروح ما يُعرف بـ «لاهوت التحرير الأسود» Black Liberation Theology، فيخلق خطابًا لا يفصل بين العقل والإيمان، ولا بين السياسة والأخلاق. عنده، لا معنى لفكرةٍ لا تمس حياة الناس، ولا قيمة لموقفٍ لا يُترجم إلى فعل. لذلك يكتب من القلب إلى الشارع، لا من برجٍ عاجي إلى قارئٍ معزول؛ يكتب كما لو أن كل جملةٍ يجب أن تكون قادرة على أن تمشي بين الناس، أن تُصغي لهم، وأن تُغير فيهم شيئًا.

    يمكن القول إن ويست فيلسوفٌ «بموسيقى»؛ ليس لأن نصوصه إيقاعية فحسب، بل لأن فكره نفسه يتحرك كما تتحرك المقطوعة: تتداخل فيه النبرات، وتتصاعد فيه التوترات، ثم تنفجر في لحظة وعي. حين يستشهد بالكتاب المقدس، لا يفعل ذلك كاستدعاءٍ تقليدي، بل كعزفٍ على أوتار العدالة، كأنه يعيد للنص روحه الأولى: أن يكون وعدًا للمظلومين وليس تبريرًا للواقع؛ وحين يستحضر «فرانتز فانون»، فإنما يوقظ في القارئ وتر التمرد، ذلك الإحساس بأن الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة خفية في استمرار القهر؛ أما حين يتحدث عن الديمقراطية، فإنه ينتزعها من معناها الإجرائي البارد، ليعيدها إلى أصلها الأخلاقي: ليست مجرد نظام حكم، بل فضيلة مدنية، نمطُ تربيةٍ للروح قبل أن تكون آليةً لإدارة السلطة. الديمقراطية، في نظره، لا تُقاس بصناديق الاقتراع فقط، بل بقدرة الناس على أن يروا في بعضهم بعضًا كرامةً لا يجوز المساس بها.

    هكذا تصبح الفلسفة عند كورنيل ويست أشبه بـ «إنجيلٍ مدني»: كتابًا مفتوحًا لا يخّ النخبة وحدها، بل يُكتب كل يوم في أفعال الناس، في شجاعتهم الصغيرة، وفي رفضهم للظلم، وفي إصرارهم على أن الخير ليس فكرةً يتم تداولها، بل ممارسة تُعاش؛ وأن الحقيقة، إن لم تُنقذ إنسانًا ما، تظل ناقصة، مهما بدت مكتملة في الكتب.

***

    يرفض كورنيل ويست أن تُختزل العدالة في مادةٍ قانونية يتم تدريسها أو بندٍ يتم تطبيقه؛ فالعدالة، في أفقه الأعمق، ليست حكمًا ننطق به، بل علاقة تُعاش؛ هي الوجه الآخر للحب، حين يتحول من شعورٍ داخلي إلى التزامٍ تجاه الآخر. وإذا كانت المحاكم قادرة على أن تُصدر أحكامها، فإنها – في نظره – تعجز عن مداواة ما تكسر في الأرواح. وحده المجتمع، حين يستعيد حساسيته الأخلاقية، يستطيع أن يشفي، لأن الشفاء لا يأتي من النصوص، بل من الاعتراف، ومن إعادة بناء الروابط التي تصدعت.

    العرق، في فكره، ليس موضوعًا للبحث البارد، ولا مفهومًا نقوم بتحليله من مسافةٍ آمنة، بل جرح حي، ذاكرةٌ تنزف داخل اللغة والمؤسسات والخيال الجمعي. لذلك يرى أن التمييز العنصري ليس مجرد موقفٍ فردي يمكن عزله أو إدانته بسهولة، بل «عصابٌ جماعي» يتسرب في تفاصيل الحياة: في الكلمات التي نظنها بريئة، وفي القوانين التي تبدو محايدة، وفي الصور التي تُعيد إنتاج ذاتها دون أن نشعر. إنه بنيةٌ تتخفّ في العادي، وتستمر لأنها تُقنع نفسها بوصفها طبيعية. ومن هنا ينبع موقفه المركب: نقدٌ لا يرحم، وحبٌّ لا يتراجع. إنه ناقدٌ شرس لأمريكا حين تُنكر تاريخها، وحين تحاول أن تمحو آثار الألم أو تُعيد كتابته بلغةٍ مريحة؛ لكنه في الوقت ذاته ناقدٌ مُحب، يرى في الاعتراف بداية الخلاص، وفي التقدم نحو العدالة إمكانيةً حقيقية، لا وهمًا. إنه لا يقف خارجها ليُدينها، بل داخلها ليُحرضها على أن تكون أفضل مما هي عليه.

    أما الفقر، فليس عنده رقمًا في تقارير الاقتصاد، ولا حالةً اجتماعية يتم تصنيفها ضمن فئاتٍ محايدة، بل جريمةٌ سياسية بكل ما تحمله الكلمة من ثقل. الإنسان الفقير، في نظر كورنيل ويست، ليس «وضعًا» بل ضحية اختيارٍ جماعي، عالمٌ قرر – بصمتٍ أو بتواطؤ – أن يوزع الألم بغير عدالة، وأن يجعل من الحاجة قدرًا بدل أن يراها خللاً يجب إصلاحه.

    لهذا، لا يكتفي «ويست» بأن يكتب عن المعاناة، بل ينحاز إليها. يقف مع الحركات الاحتجاجية لا بوصفه مراقبًا، بل مشاركًا؛ لا كصوتٍ يعلق من بعيد، بل كجسدٍ حاضر في الميدان. هناك، تتلاشى المسافة بين الفيلسوف والناشط، وبين الكلمة والفعل: تصبح اللافتات امتدادًا لكتبه، وتغدو كتبه صدىً لتلك اللافتات. كأن فكره كله يقول إن الحقيقة، إن لم تنزل إلى الشارع، تظل فكرةً ناقصة، وأن العدالة، إن لم تُلمس في حياة الناس، تبقى وعدًا لم يكتمل بعد!

***

    يخوض كورنيل ويست السياسة كما لو أنها امتدادٌ طبيعي للعظة: بلا تهيبٍ من السلطة، بلا خفضٍ للصوت، وبقلبٍ يشتعل كأنه لا يعرف الحياد. عنده، السياسة ليست لعبة مواقع، بل اختبار ضمير؛ ليست فن الممكن، بل مساءلة الممكن ذاته: لماذا هو كذلك؟ ولصالح من؟

    لم يتردّد في مهاجمة الرؤساء حين رأى في قراراتهم انحرافًا عن العدالة، ولم يمنح ولاءه الأعمى لأيّ من الحزبين الكبيرين؛ انتقد الحزب الديمقراطي كما انتقد الحزب الجمهوري، لأن معياره لم يكن الانتماء، بل الحقيقة الأخلاقية. كان يقف دائمًا إلى جانب المهمشين، لا بوصفهم قضيةً محل مناقشة، بل بشرًا يجب الإنصات إليهم، ويجعل من أصواتهم جزءًا من صوته. وحين دخل عالم الانتخابات، لم يكن يسعى إلى مجدٍ سياسي بقدر ما كان يعلن موقفًا: أن الفلسفة، إذا أرادت أن تظل صادقة، يجب أن تقبل بأن «تتسخ بالطين»؛ أن تنزل من نقائها النظري إلى تعقيد الواقع، إلى فوضاه، إلى تناقضاته. فالنقاء، في نظره، قد يكون أحيانًا شكلًا آخر من أشكال الهروب.

    إنه ذلك الفيلسوف الذي لم يكتفِ بأن يكتب عن الاحتجاج، بل صار جزءًا منه؛ اعتُقل، وهتف، ووقف بين المتظاهرين كما يقف القائد بين جنوده – لا فوقهم، بل بينهم. لم ير في «الاحترام» الأكاديمي غايةً تستحق أن يُضحي من أجلها بحقيقة موقفه، ورفض أن يكون مفكرًا مهذبًا يراقب العالم من شرفةٍ آمنة.

    عنده، الفكر الذي لا يخاطر يذبل، والكلمة التي لا يتم سداد ثمنها تبقى ناقصة. لذلك اختار أن يدفع – من سمعته، ومن راحته، ومن موقعه – ثمن انحيازه. وكأن حياته كلها تقول إن الفيلسوف الحقيقي لا يكتفي بأن يُفسر العالم، بل يضع نفسه في قلبه، حيث الألم أشد، وحيث الحاجة إلى الصوت الصادق أكثر إلحاحًا.

***

    ما الذي يجعل كورنيل ويست فيلسوفًا فريدًا؟

    ليس لأنه قال ما لم يُقله الآخرون، بل لأنه عاش ما يُقال، وحول الفلسفة من خطابٍ إلى مصير:

1) لأنه يعيش فلسفته

    عند ويست، لا توجد مسافة مريحة بين الفكرة وصاحبها؛ لا يكتب عن الفقراء من خلف زجاجٍ نظيف، بل يقف في غبار حياتهم، حيث يتم اختبار المعنى يُختبر دون الاكتفاء بالنظر إليه؛ لا يتأمل الاضطهاد بوصفه مفهومًا، بل يصرخ في وجهه كقوةٍ يجب كسرها. ولا يتعامل مع الديمقراطية كفصلٍ في كتاب، بل كمعركةٍ يومية تتطلب حضورًا ومخاطرة. كأن حياته كلها تقول إن الفلسفة التي لا تُعاش تتحول، مع الوقت، إلى زخرفةٍ لغوية فاقدة للروح.

2) لأنه يجمع بين العقل والقلب

    في كتابته، لا يسود العقل على حساب القلب، ولا يذوب القلب في العاطفة العمياء. هناك توازن نادر: عقلٌ فلسفي دقيق، يُحلل ويُفكك، وقلبٌ يقظ، يشعر ويهتز لكل ما هو إنساني. جُمله ليست باردة، لكنها ليست منفلتة؛ فيها صرامة الفكرة وحرارة التجربة. كأن كل عبارةٍ لديه تحمل برهانها ووجعها في آنٍ واحد.

3) أنه يؤمن بأن الفلسفة ليست حلاً … بل رفيق طريق

    يرفض الوهم القديم بأن الفلسفة تُقدم أجوبةً نهائية. عنده، ليست الفلسفة نهاية الأسئلة، بل فن الاستمرار فيها. لذلك يُردد، بروحٍ أقرب إلى الاعتراف منها إلى التعليم: لسنا نبحث عن الجواب الكامل، بل عن الشجاعة كي نواصل السؤال. إنها دعوةٌ لأن نرى الفكر لا كملجأٍ من القلق، بل كطريقةٍ نبيلة للعيش معه.

4) لأنه يُذكرنا بحكمةٍ أولى

    وراء كل تعقيداته، يعيدنا ويست إلى نقطةٍ بسيطة وعميقة في آن: أن كل فلسفةٍ حقيقية تبدأ من الكرامة؛ لا من الذكاء، ولا من المهارة، ولا حتى من الأصالة، بل من الإيمان بأن الإنسان – أي إنسان – غايةٌ لا وسيلة. الكرامة، في نظره، ليست نتيجة التفكير، بل شرطه الأول؛ فإذا غابت، صار الفكر مهما بدا لامعًا، مجرد لعبةٍ بلا معنى.

    هكذا يبدو كورنيل ويست: ليس فيلسوفًا يضيف أطروحةً إلى رفوف المعرفة، بل صوتًا يُعيد تذكيرنا بأن الفلسفة، في جوهرها، ليست ما نعرفه عن العالم … بل كيف نقف فيه.

***

    لماذا نحتاج كورنيل ويست اليوم؟

    لأن العالم، في اندفاعه الواثق نحو ما يسميه تقدمًا، يتشظى في أعماقه على نحوٍ لا يعترف به؛ ولأن الضجيج لم يعد مجرد خلفيةٍ للمعنى بل صار بديلاً عنه، ولأن الخوف ينتشر كعدوى أسرع من أي فهمٍ ممكن، فيما يتفوق الخطاب الإعلامي في اقتناص الانتباه على الحقيقة التي تمشي ببطءٍ وصمت. وفي زمنٍ كهذا، لا تعود الحاجة إلى فيلسوفٍ يضيف فكرةً إلى رصيد الأفكار، بل إلى صوتٍ يعيد تشكيل الحس ذاته، ويوقظ السؤال الأول من سباته: ماذا يعني أن نكون بشرًا؟

    نحتاجه لأن أصوات الغضب باتت تتكاثر كأنها اللغة الوحيدة الممكنة، فيما يتراجع التعاطف إلى الهامش، كفضيلةٍ خجولة. نحتاجه لأنه يُذكرنا – بعنادٍ أخلاقي – أن الإنسان يظل إنسانًا، لا تُلغيه هويته، ولا يُختزل في لونه أو دينه أو طبقته أو لغته أو موطنه. كأن مهمته الأولى ليست أن يُقنعنا، بل أن يُوقظ فينا ما نعرفه ونكاد ننساه.

    «ويست» لا يقدم مذهبًا فلسفيًا متكاملاً أو نظرية بعينها، بل يقدم ما هو أندر: وعيًا يمر عبر القلب قبل أن يستقر في العقل. إنه يقف عند تخوم الضمير، في تلك المنطقة التي يصبح فيها التفكير فعل مساءلةٍ أخلاقية، لا مجرد تمرينٍ ذهني. ومن هناك، ينظر إلى عالمٍ يراه يتداعى، لا فقط بفعل الصراعات، بل بفعل فقدان المعنى ذاته – حين يحل الاستعراض محل الحقيقة، ومنطق الهيمنة محل العدالة.

    وفي قراءته لظواهر سياسية معاصرة، ومنها صعود شخصيات مثل دونالد ترامب، لا يكتفي بالإدانة السطحية، بل يسعى إلى تفكيك المناخ الذي أتاح ذلك: حضارةٌ تُكافئ الصخب أكثر مما تُكافئ الصدق، وتُغري بالقوة أكثر مما تُلهم بالحكمة. ومن هذا المنظور، يرى أن كثيرًا من التوترات الدولية – بما فيها التصعيد الحالي غير المُبرر تجاه إيران – ليست سوى أعراضٍ لمرضٍ أعمق: حين تتحدث الإمبراطوريات بلغة القوة وحدها، وتنسى أن الحوار ليس ضعفًا، بل شرط البقاء الإنساني! ويمتد نقده ليطال ما يعده اختباراتٍ أخلاقيةً حاسمة، كما في القضية الفلسطينية، حيث لا يرى الأمر مجرد نزاعٍ جيوسياسي، بل امتحانًا حيًّا لضمير العالم. إنه يفرق بوضوح بين نقد السياسات وازدراء الشعوب؛ فيُدين ما يراه ظلمًا تمارسه إسرائيل بحق الفلسطينيين، دون أن ينزلق إلى كراهيةٍ دينية. هنا تتجلى دقة موقفه: عدالةٌ لا تتلون بالكراهية، ونقدٌ لا يفقد إنسانيته.

    هكذا تتكامل رؤيته: عالمٌ لا يُقاس بترسانة جيوشه، بل بقدرته على إنصاف الأضعف؛ عالمٌ لا تُحدده المصالح وحدها، بل يظلّ فيه للضمير كلمةٌ أخيرة. عند كورنيل ويست، تصبح العدالة فعلَ حب، ويغدو الضمير معيارًا أعلى من كل توازنات القوة.

    لهذا نحتاجه: لا ليقودنا إلى يقينٍ نهائي، بل ليمنحنا شجاعة البقاء في السؤال، دون أن نفقد إنسانيتنا ونحن نبحث عن الإجابة.

***

    قد لا يشيد كورنيل ويست نسقًا فلسفيًا مغلقًا يُحفظ في القاعات ويُكرَّر عبر الأجيال، لكنه يخلق ما هو أبقى من أي نسق: ضميرًا حيًّا، قلقًا، لا يهدأ ولا يُدجَّن؛ ضميرًا لا يُقيم في الكتب بقدر ما يسكن في الأفعال، ويقيس صدق الفكر بقدرته على أن يُغير شيئًا في العالم، ولو بمقدار خطوة. إنه الفيلسوف الذي يمشي في الشارع، ليس كعابرٍ بين العابرين، بل كحامل رسالةٍ لم يخترها بقدر ما اختارته. قلبه كأنه جمرٌ لا ينطفئ، يدفئ من يقترب، ويحرق كل ما يحاول أن يبرر الظلم أو يجمله. يدعو إلى الديمقراطية كما لو أنها شكلٌ من أشكال الحب المنظَّم، ويستدعي الحب كما لو أنه أعمق ممارسةٍ للعدالة. عنده، لا تنفصل هذه الكلمات: الديمقراطية، الحب، العدالة ... كلها أسماءٌ متعددة لجوهرٍ واحد، هو كرامة الإنسان. 

    وحين يكتب، لا يبدو كمن يُنتج نصًّا بقدر ما يبدو كمن يودع شيئًا عزيزًا. يكتب عن العدالة كما لو أنه يكتب وصيته الأخيرة للإنسانية، كأن كل جملةٍ قد تكون الأخيرة، وكل فكرةٍ يجب أن تُقال الآن أو لا تُقال أبدًا. لذلك تحمل كلماته ثقل الاستعجال الأخلاقي: ليس لأن الوقت ينفد فحسب، بل لأن المعنى نفسه مهدد بالضياع إن لم تتم استعادته.

    حكايته، في جوهرها، ليست سيرة فيلسوفٍ يضيف أطروحاتٍ إلى أرشيف الفكر، بل سيرة إنسانٍ قرَّر أن يجعل من حياته نفسها نصًّا مفتوحًا. لم يكتفِ بأن يفكر في العالم، بل عاش داخله كاختبارٍ دائم: كيف يمكن أن نبقى بشرًا في وجه ما يُجردنا من إنسانيتنا؟ كيف نحفظ الوجه الإنساني وسط الأنظمة التي تُحول الإنسان إلى رقم، أو وسيلة، أو هامش؟ هكذا تصبح فلسفته بحثًا لا ينتهي عن ذلك الوجه – وجه الإنسان – المختبئ داخل كل نظام، وكل أزمة، وكل ظلام. بحثٌ لا يَعِد بالخلاص، لكنه يرفض الاستسلام؛ لا يقدم يقينًا نهائيًا، لكنه يفتح بابًا نحو معنىٍ يمكن أن يُنقذ ما تبقى. وفي هذا، تحديدًا، تكمن فرادته: أنه لا يترك لنا نظريةً نلوذ بها، بل يتركنا أمام مسؤولية ... أن نكون، نحن أيضًا، أوفياء لما فينا من إنسان.

الخميس، 26 مارس 2026

الحب بين صمت ابن سينا وصخب نيتشه

مارس 26, 2026

لوحة فنية تجسد حوارًا فلسفيًا بين ابن سينا ونيتشه حول الحب، مع قلب مقيد وسيناريو رومانسي في الخلفية

    ليس الحبّ واحدًا حين يعبر الثقافات، ولا الألم واحدًا حين يُسمَح له بالكلام في مكان، ويُطالَب بالصمت في آخر! 

لم يكن ابن سينا ناسكًا متقوقعًا في محراب الفكر، ولا كائنًا آليًا تُسيّره معادلات المعرفة كما رسمته كتب التراجم؛ بل كان إنسانًا يضيق به مجال العاطفة بقدر ما تتسع أمامه أنظمة القوانين. عاش قلق التنقل بين بلاطات الحكم، مُطاردًا تارةً، ومُستدعًى أخرى، تحفه السلطة وتراقبه العيون. وفي عالمٍ كهذا، يغدو الحب فكرةً بلا مأوى، أو رفاهًا لا يُؤمن له مقام.

    في «القانون في الطب»، يتبدى صوت الطبيب صارمًا، إذ يُنزِل العشق منزلة «المناخوليا»، فيغدو العاشق أسير هوسٍ بشخصٍ لا يهدأ إلا برؤيته والدنو منه؛ وكأن الحب علة، والعاشق مريض يُلتمس له الشفاء. غير أن نصوصه الفلسفية تكشف عن نبرةٍ أخرى، خفية ولكنها أعمق: نبرة لا ترى في الحب اضطرابًا أو شهوة، بل توقًا نحو الكمال، وحركةً باطنية تنزع بالنفس إلى ما يواطئ جوهرها. وليس هذا الوصف جافًّا كما قد يُظن، بل مُثقل بحرارة تجربةٍ مكتومة، كأنما وراءه سرٌّ يلوذ بالصمت، ويأبى أن يُقال صراحةً!

    تُلمِح بعض الروايات إلى أن ابن سينا قد مسّه طيفُ امرأةٍ أحبها، أو لامس تجربة عشقٍ لم يُكتب لها الاكتمال. غير أن الاسم غائب، والحكاية مبتورة! وليس هذا النقص خللاً في السرد، بل هو عين دلالته؛ إذ في الثقافة التي أحاطت به، لم يكن الحب يُؤذَن له أن يُدوَّن إلا إذا استحال استعارة، أو تسرب خفيًّا في مسارب الحكمة. كانت المرأة تُقصى عن ظاهر القول، لكنها تترسب في أثره؛ غائبةً في النص، حاضرةً في صداه. فبدل أن يكتب إليها، انصرف إلى الكتابة عن النفس؛ وبدل أن يبوح بالشوق، عمد إلى تفكيكه وتحليله؛ وبدل أن يقول: «أحبك»، قال في لغة الفلاسفة: إن العشق ميلٌ فطريٌّ إلى الجمال المطلق. وهكذا لم يُلغَ الحب، بل تبدل مجراه؛ فغدا فكرةً بعد أن كان خفقة، وصار نظريةً بعد أن كان اعترافًا. لم يعد العشق عائقًا أمام المعرفة، بل قوّةً خفية تدفعها من باطنها، وكأن التفكير أصبح السبيل المشروع لما لم يكن مباحًا أن يُعاش. ولم يكن في ذلك خيانةٌ للحب، بل محاولةٌ لإنقاذه من الزوال؛ فالعاطفة حين تُمنع من القول، تتكثف في فكرة، وحين تُحرم من العيش، تتسامى إلى تأملٍ في النفس والوجود. ومن هنا يتجلى الحنين الأنثوي في بلاغة الغياب، وليس في حضور الصوت؛ في تلك الفجوة المؤلمة بين التجربة واللغة، حيث يتحول حبٌّ حُجِب عن يوميته إلى مطالبةٍ أخرى: أن يُخلَّد في الفكر، بعد أن تعذر أن يُعاش في الحياة. 

    لم يخط ابن سينا قصائد غزلٍ تُذاع، ولم يُعرف بين الناس بعاشقٍ ولهان؛ غير أنه كتب عن العشق بمداد من خبر اقترابه ومرارة انفلاته. كانت عباراته، وإن تجلت في صورة تحليلٍ رصين، تنطوي على رجفة تجربةٍ مضمرة، كأنها شهادةٌ مؤجَّلة لا تصريح! وفي هذا، بدا شبيهًا بكثيرٍ من أعلام حضارتنا العربية؛ أولئك الذين لم يُؤت لهم ترفُ البوح، فاستحال وجدانهم معرفة، وتحول حنينهم نظامًا، وتسرب ألمهم إلى بطون الكتب. لم تكن مؤلفاتهم مجرد بناءٍ عقليٍ محض، بل كانت، في وجهٍ خفي، سيرة عاطفةٍ كُتِب لها أن تعيش متخفّية في هيئة فكر!

    في أفقٍ آخر من الوجود، وعلى تخوم روحٍ لا تعرف السكون، عاش فريدريك نيتشه. كان الحب عنده الحب عنده صاخبًا، فاضحًا، لا يعرف كيف يختبئ؛ عاصفةً لا تُروَّض، ونارًا تأبى أن تُخفى تحت رماد العقل. لم يكن العشق لديه همسًا خفيضًا كما في تجاربٍ أخرى، بل كان صراخًا كونيًا، كأن الفكر حين يضيق بنفسه يلقي بجسده في لهيب التجربة. وحين التقى بـ «لو سالومي» (أو لويزة سالومي)، لم يكن ذلك لقاء قلبٍ بامرأة فحسب، بل اصطدام فكرةٍ بجسد، أو انكشاف عقلٍ على هاوية الرغبة!

    أحبها كما يُحب المفكر حين يُحاصر بأسئلته: بعنفٍ لا يعرف التدرج، وباندفاعٍ لا يعترف بالحذر، وبحاجةٍ جارفة إلى أن يُقال ويُسمع ويُجاب. طلب منها الزواج، لا بوصفه طقسًا اجتماعيًا، بل كأنه محاولة لإنقاذ المعنى من التشظي؛ انتظر جوابها كما ينتظر الفيلسوف برهانًا أخيرًا يثبت يقينه، لكن الجواب جاء رفضًا، قاطعًا كحد الحقيقة حين تنكر صاحبها. ومن هناك، لم يُغلق جرحه، بل وسَّعه؛ لم يداوه، بل تركه ينزف حبرًا. صار الورق امتدادًا لألمه، وصارت الكتابة ساحةً يُصارع فيها خيبته. كتب، وهاجم، وتمرد، لا على العالم فحسب، بل على هشاشته التي انكشفت له فجأة. وكأن الفلسفة ذاتها لم تعد بحثًا عن الحقيقة، بل ميدانًا لتصفية حسابٍ مع قلبٍ لم يُجَب، مع وعدٍ لم يكتمل، ومع ذاتٍ لم تعد كما كانت!

    كان نيتشه ابن ثقافةٍ تفسح للألم أن يتكلم بصوته العاري؛ أن يقول بلا مواربة: أنا موجوع، أن يصرخ: لقد خُذلت، وأن يحول انكساره إلى موقف، بل إلى مصير. لم يسع إلى ستر ضعفه، بل أعاد تسميته، وأعطاه مقامًا جديدًا: قوة. وكأن الاعتراف نفسه صار فعل سيادة، وكأن الجرح – حين يُعلَن – يتحول من عارٍ يُخفى إلى معنى يُبنى عليه. هكذا لم يكن الحب عنده حادثةً عابرة، بل زلزالاً أعاد تشكيل رؤيته للعالم؛ ومن رماده، نهض فكرٌ أكثر حدة، وأكثر صدقًا، وأشد وحدة!

    على الضدّ من تلك العاصفة، كان ابن سينا يقيم في عالمٍ آخر؛ عالمٍ يضيق بالبوح كما تضيق الصدور بالأنفاس الأخيرة، ولا يُسامح الاعتراف حين يخرج عاريًا من لغته. في ذلك النسق، لم تكن العاطفة تُحتمل إذا ظهرت، بل تُهذَّب حتى التلاشي، أو تُوارى حتى التجريد. لم يكن الحب رسالةً تُكتب، بل شفرةً تُضمر؛ لا يُعاش على السطح، بل يُدفع إلى الأعماق، حيث لا عين ترصد، ولا سلطة تُحاسب؛ فإن أحب – وقد يكون أحب – لم يكن له أن يقول؛ وإن اشتاق، لم يكن له أن يشكو؛ وإن انكسر، تعلَّم أن يُحكم إغلاق الشقوق في ظاهره، حتى لا يتسرب منها ما يفضح إنسانيته. كان الصمت لديه ليس غيابًا، بل نظامًا؛ لا عجزًا، بل اختيارًا تُمليه شروط العالم. وهنا يتدخل العقل، لا بوصفه نقيض القلب، بل حارسًا عليه: حين يُمنع القلب من الكلام، يتكفل الفكر بإعادة صياغة نبضه. 

    هكذا، لم يُلغِ ابن سينا الحب، بل أعاد خلقه على صورةٍ أخرى؛ نزع عنه ملامحه الفردية، وجرَّده من اسمه وصوته ووجهه، وألبسه ثوب الكُلي والمطلق. لم يقل: امرأةٌ بعينها أخذتني من نفسي، بل قال: إن الجمال المطلق يجذب النفس إلى كمالها. لم يعد العشق حادثةً بين اثنين، بل قانونًا يسري في الوجود؛ لا تجربةً تُروى، بل مبدأً يُفسَّر. وهنا يكمن الفارق الجارح: بين حبٍ يُقال فينجرح، وحبٍ يتم التفكير فيه فينجو؛ بين قلبٍ ينكسر في الضوء، وآخر يتكسر في الخفاء ثم يعيد ترتيب شظاياه في هيئة فكرة. كأن ابن سينا لم يفقد الحب، بل فقد حقه في أن يكون بشريًا، فأنقذه، على طريقته، بأن جعله خالدًا!

    عاش فريدريك نيتشه تجربة الحب كزلزالٍ شخصي اجتاح كيانه، هدده بالانهيار ثم أعاد تشكيله من أنقاضه؛ تجربةٌ قصوى تُفجر الذات حتى وهي تُحطمها. أما ابن سينا، فاختبره على نحوٍ مغاير: لا كواقعةٍ تندلع، بل كاحتمالٍ ممكن، كقوةٍ ينبغي ترويضها قبل أن تستبد. أنقذه لأنه لم يسمح له أن يبلغ حد التدمير؛ احتواه داخل نسقٍ من العقل، فصار المعنى درعًا، وصارت الفكرة ملاذًا. 

    في الأفق الغربي، بدا الحب امتحانًا للذات، مغامرةً وجودية تُلقى فيها النفس إلى أقصى توترها، ولو انتهت إلى التمزق؛ أما في الأفق الشرقي، فكان خطرًا دقيقًا، ينبغي تهذيبه، أو تحويل مساره، أو استبداله بما هو أرسخ وأبقى: المعرفة. هناك، ينفجر القلب ليقول نفسه؛ وهنا، يُعاد تأويله حتى يصمت دون أن يختفي!

    والمرأة؟

    عند فريدريك نيتشه، كانت حضورًا كثيفًا: ذاتًا تقول «لا»، تتكلم، ترفض، تترك أثرها كجرحٍ حي ثم تمضي. أما عند ابن سينا، فكانت غيابًا مُثقلاً بالدلالة: غائبةً لا لأنها لم تكن، بل لأن السرد لم يتسع لاسمها. غيابها ليس فراغًا، بل امتلاءٌ من نوعٍ آخر؛ حضورٌ يتسرب في ما لم يُقَل، ويتكثف في ما كُتِب دون أن يُنسَب إليها. حنينٌ صامت، لا يطلب جوابًا، ولا ينتظر اعترافًا؛ حنينُ امرأةٍ لم تُدوَّن، لكن أثرها كتب نفسه في كل فكرةٍ عنها.

    لو قُدر لـ فريدريك نيتشه وابن سينا أن يلتقيا في برزخ الفكر، لقال الأول: الحبّ امتحانٌ للقوة، يُقاس به مدى احتمالنا لأنفسنا حين تنكشف. ولأجابه الثاني: بل هو خطرٌ إن لم يُهذَّب بالعقل، إذ قد يجر النفس إلى ما لا تُحسن تدبيره. كلاهما أحب، غير أن أحدهما صرخ حتى صار صوته فلسفة، والآخر صمت حتى صار صمته ميتافيزيقا! وبين الصراخ والصمت، تقف المرأة اليوم، لا بوصفها موضوعًا للحب، بل شاهدةً على تحولاته؛ تدرك أن كثيرًا من المعرفة لم يُولد من غياب العاطفة، بل من كبتها، وأن ما يبدو بناءً عقليًا خالصًا قد يكون، في عمقه، أثر قلبٍ مُنِع من أن يتكلم، فاختار أن يفكر!

الأربعاء، 11 مارس 2026

الجامعة: من طلب الحكمة إلى صناعة المهارات

مارس 11, 2026

 

تحول دور الجامعة من البحث عن الحكمة والمعرفة إلى التركيز على تنمية المهارات وسوق العمل

  منذ أن وُلدت الجامعة في فضاءات الحضارة الإسلامية، من جامعة القرويين في فاس إلى الأزهر الشريف في القاهرة، ثم انتقلت الفكرة إلى أوروبا الوسيطة مع جامعة بولونيا وجامعة باريس، لم تكن الجامعة في أصلها مؤسسة اقتصادية بقدر ما كانت مقامًا للروح العاقلة، ومجالاً مفتوحًا لطلب الحقيقة. لم يتم تدشيسن الجامعات لكي تُغذي السوق بالخبرات فحسب، بل لتُغذي العقول بالتساؤلات؛ في قاعاتها كان الطلاب يدرسون الفلسفة واللاهوت والبلاغة والطب والقانون؛ تلك المعارف التي اصطلح على تسميتها «الفنون الحرة»، لأنها تُحرر الإنسان قبل أن تُؤهله. وكان المبدأ الضمني الذي يحكم هذا العالم المعرفي بسيطًا في عبارته، عميقًا في دلالته: المعرفة تسبق المنفعة.

   غير أن الزمن لا يظل وفيًّا دائمًا لأفكاره الأولى؛ فمع التحولات الكبرى التي أحدثتها الثورة الصناعية، ثم الثورة الرقمية لاحقًا، بدأ سؤال جديد يتسلل إلى صُلب التفكير التربوي: ما قيمة المعرفة إذا لم تتحول إلى قوة إنتاج؟ وما جدوى الحكمة إن لم تجد طريقها إلى المصنع والسوق؟ ومن هنا بدأ التحول البطيء؛ إذ أخذت الجامعة، شيئًا فشيئًا، تنتقل من كونها مدرسة للحكمة إلى مؤسسة لإنتاج المهارات.

    لكن بعض المجتمعات أدركت أن هذا التحول لا ينبغي أن يكون قطيعة مع روح الجامعة الأولى؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، سعت ألمانيا إلى إعادة بناء مجتمعها على أسس تعليمية متوازنة؛ فلم تُضح بالفلسفة والتاريخ، ولم تُغلق أبواب العلوم الإنسانية بحجة أنها لا تُطعم خبزًا، بل أنشأت إلى جانب الجامعات البحثية نظامًا تعليميًا جديدًا عُرف باسم التعليم المهني المزدوج؛ نظام يجمع بين قاعة الدرس وورشة العمل، بين النظرية والتجربة، بين العقل واليد. وهكذا أصبح الطالب يتعلم في المدرسة المهنية، ويقضي في الوقت ذاته جزءًا من حياته داخل المصانع والشركات، في تجربة تعليمية تُزاوج بين الفكر والصناعة دون أن تُقصي أحدهما.

    وفي أقصى الشرق، كانت قصة أخرى تتشكل؛ ففي ستينيات القرن العشرين كانت كوريا الجنوبية بلدًا فقيرًا يعتمد على الزراعة. لكنها اتخذت قرارًا استراتيجيًا بأن تجعل التعليم قلب مشروعها التنموي. لم تُلغِ الفلسفة أو العلوم الإنسانية، لكنها استثمرت بقوة في الهندسة والتكنولوجيا، وربطت الجامعات بالشركات الصناعية الكبرى مثل سامسونغ وهيونداي. وهكذا لم يعد الطالب الكوري يدرس في فراغ نظري، بل وهو يدرك أن وراء المعرفة اقتصادًا حيًا ينتظر أن تتحول الأفكار فيه إلى ابتكارات.

    أما في مصر، فالمسألة ليست في وجود الكليات النظرية مثل الآداب أو الحقوق أو التجارة؛ فالمجتمعات، كالكائنات الحية، تحتاج إلى ذاكرة فكرية بقدر حاجتها إلى العضلات الإنتاجية. تحتاج إلى المؤرخ كما تحتاج إلى المهندس، وإلى الفيلسوف كما تحتاج إلى الطبيب. لكن المشكلة تظهر حين يتحول التعليم إلى ظاهرة كمية لا نوعية؛ حين تصبح بعض الكليات أشبه بمدن مكتظة بعشرات الآلاف من الطلاب. عندئذ يفقد التعليم جوهره الحواري؛ فالعلم، كما يذكر الفيلسوف الألماني «كارل ياسبرز»، لا ينمو في الحشود بقدر ما يزدهر في الحوار الحي بين العقول. وثمة مشكلة أخرى لا تقل أهمية: أن سوق العمل ذاته يحتاج إلى تطوير بقدر ما يحتاج التعليم إلى إصلاح؛ فالتعليم لا يمكن أن يزدهر في اقتصاد راكد، كما أن الاقتصاد لا يمكن أن يتجدد بعقول لم تُمنح فرصة الإبداع.

    في المجتمعات التي توسع فيها التعليم الجامعي بسرعة، نشأ وهم اجتماعي خطير: أن الشهادة الجامعية هي المسار الطبيعي الوحيد للحياة. لكن الواقع الاقتصادي يقول غير ذلك؛ فمعظم الاقتصادات الحديثة تقوم على شبكة واسعة من المهارات التقنية والمهنية، لا على خريجي الجامعات وحدهم. ففي ألمانيا مثلاً، لا يلتحق قسم كبير من الشباب بالجامعة أصلاً، بينما يُعد التعليم المهني في سويسرا مسارًا محترمًا لا يقل مكانة عن المسار الجامعي. أما في كثير من المجتمعات العربية فقد تحولت الجامعة، في المخيال الاجتماعي، إلى بوابة للوجاهة أكثر منها بوابة للمعرفة.

    من هنا نقف أمام خطأين متقابلين: الأول أن تتحول الجامعة إلى مصنع لإنتاج الموظفين والتقنيين، فتفقد روحها الفكرية؛ والثاني أن تتحول إلى برج عاجي معزول عن المجتمع، فتفقد صلتها بالحياة. والحكمة ليست في أحد الطرفين، بل في المعادلة الدقيقة التي تجمع بينهما: أن تبقى الجامعة بيتًا للمعرفة الحرة، وفي الوقت ذاته جزءًا حيًا من نسيج الاقتصاد والمجتمع، فالإنسان، كما تقول الحكمة القديمة، لا يعيش بالخبز وحده؛ لكنه كذلك لا يستطيع أن يعيش بالفلسفة وحدها.

    السؤال الحقيقي إذن ليس: أي الكليات ينبغي أن نغلقها أو نبقي عليها؟ ولا: أي التخصصات نافعة وأيها غير نافعة؟ بل السؤال الأعمق هو: أي مجتمع نريد أن نبني؟ هل نريد مجتمعًا من التقنيين وحدهم؟ أم مجتمعًا من المفكرين وحدهم؟ أم مجتمعًا قادرًا على الجمع بين الاثنين: بين المهندس الذي يبني الجسر، والطبيب الذي يداوي الجسد، والمبرمج الذي يُسير الآلة، والفيلسوف الذي يسأل: لماذا نبني الجسور أصلاً؟ وما معنى المرض؟ وما حدود العلاقة بين الإنسان وآلته الذكية؟

    لعل المشكلة في نهاية المطاف ليست في الكليات ولا في التخصصات، بل في تصورنا نحن لمعنى التعليم ذاته. في إجابتنا عن السؤال الحضاري القديم الذي لم يفقد راهنيته قط: لماذا نتعلم؟ هل نتعلم لنكسب قوت يومنا؟ أم نتعلم لنفهم العالم؟ أم أن غاية التعليم الحقيقية هي أن نجمع – في توازن صعب وجميل – بين عالم الحكمة وعالم السوق؟ 

الخميس، 26 فبراير 2026

الصهيونية العربية: جدلية الفكر والخيانة الحلقة الثانية: ممثلو الصهيونية العربية (النُخب، والأدوات، والأقنعة)

فبراير 26, 2026

لوحة رمزية تُظهر رجالًا بملابس رسمية يرتبون قطع خريطة متشققة تعلوها علامة استفهام، بينما في الأسفل حشود غاضبة ترفع قبضاتها وسط دخان وحرائق وخلفية مسجد، في إشارة إلى صراع النخب وتأثيره على الجماهير.

 «كيف ترعرع في وادينا الطيب كل هذا القدر من السفلة والأوغاد»

    كما أسلفنا، لم تتجسد الصهيونية العربية في صورة تنظيمٍ مُعلن أو تيارٍ ذي ملامح صلبة، يمكن الإشارة إليه بالأسماء والحدود، بل انبثقت بوصفها حالة ذهنية مُركبة، وشبكة رمزية رخوة من الأفكار والمواقف والمصالح، تسللت بهدوء إلى مفاصل الخطاب العام؛ حمل لواءها أفرادٌ من نخبٍ متباينة المشارب، توزعوا بين دوائر الفكر والجامعات، ومجالات السياسة وصناعة القرار، ومنصات الإعلام والثقافة، لا يجمعهم انتماءٌ تنظيمي بقدر ما يُوحدهم منطقٌ واحد في النظر إلى الصراع ومعناه. وقد أتقن هؤلاء التخفي خلف أقنعة براقة: حداثةٍ تدعي القطيعة مع الماضي، وعقلانيةٍ تزعم التعالي على العاطفة، وواقعيةٍ تتذرع بميزان القوى، حتى بدا خطابهم، في ظاهره، تمرينًا فكريًا رصينًا ومشروعًا، وليس انحيازًا أيديولوجيًا يمكن إدانته بسهولة!

    لم يتقدم ممثلو هذا التيار بوصفهم خونةً ظاهرين، أو دعاة ولاءٍ صريح للعدو، بل ارتدوا ثياب المصلحين الحكماء، الذين يدَّعون أنهم نظروا إلى التاريخ ببرود المختبر، وتحرروا من «أوهام» الصراع والهزيمة والنصر، وامتلكوا شجاعة الاعتراف بما يصفونه بمصطلح «الحقائق القاسية». غير أن هذا الادعاء لم يكن، في جوهره، سوى إعادة صياغة للسردية الصهيونية ذاتها، وقد أُعيد تغليفها بلغةٍ عربية مألوفة، ومفردات نقدية جذَّابة، تُفرغ المفاهيم من شحنتها التحررية، وتعيد ترتيب المسؤوليات، بحيث يغدو الاحتلال واقعًا يمكن التكيف معه، والمقاومة عبئًا أخلاقيًا، والذاكرة التاريخية عبئًا على الحاضر والمستقبل. وهكذا، لم تكن الصهيونية العربية خطابًا صداميًا، بل خطابًا ناعمًا، يعمل على تحويل الهزيمة إلى حكمة، والتنازل إلى فضيلة، والانحياز إلى «الآخر المُغتصب» إلى علامة نضجٍ فكري!

أولًا: النخب الفكرية والسياسية

    برز ممثلو الصهيونية العربية في طبقات متباينة من النخب الفكرية والسياسية، من مثقفين وكتَّاب وأكاديميين إلى سياسيين، لم يعلنوا يومًا ولاءهم للمشروع الصهيوني صراحةً، ولم يرفعوا شعاراته علنًا، لكنهم في العمق تبنوا أطروحاته المركزية، وكأنهم نقلوا منطق الخصم إلى داخل الخطاب العربي، بلغة عربية مألوفة وناعمة. لقد سعوا إلى نزع الطابع الاستعماري عن إسرائيل، ليتم تقديم الاحتلال بوصفه نزاعًا «عاديًا» بين دولتين، وأعادوا تأطير الصراع على أنه خلاف متكافئ بين طرفين، بحيث تقع على الضحية مسؤولية استمرار المأساة، ويغدو من يُطالب بالتحرر والتضحية عبئًا ثانويًا في ميزان العدالة التاريخية!

    قدَّم هؤلاء أنفسهم على أنهم «العقلاء» في مواجهة عاطفة الجماهير، و«الواقعيون» في مواجهة راديكالية المقاومة غير أن خطابهم لم يكن مواجهةً صريحة، بل كان أقرب إلى نحتٍ خفي في صخر الذاكرة الجمعية؛ عملية تفكيك بطيئة لا تُحدث جلبة، لكنها تعيد ترتيب المعاني في العمق. لم يخاصموا القيم الوطنية جهارًا، ولم يُصادموا المُقدس بشكلٍ مباشر، بل تسللوا إليه عبر سؤالٍ يُعاد تشكيله، ومفهومٍ يُنزع من سياقه، ويُعاد زرعه في تربةٍ أخرى أقل اشتعالًا وأكثر برودة.

    في هذا الأفق، تتكاثر الصور في الواقع العربي الحديث: مثقفٌ يكتب في الصحافة الورقية والإلكترونية، يذيب المأساة الفلسطينية في عمومية الألم الإنساني، حتى تكاد تفقد خصوصيتها التاريخية وفرادتها الجارحة؛ وأكاديميٌّ يُقدم ورقةً بلهجةٍ محايدة، يُصور المقاومة «مغامرةً غير محسوبة»، بينما يمر الاحتلال في عباراته كأنه ظرفٌ طبيعي من ظروف الجغرافيا؛ وسياسيٌّ يرفع لواء «السلام المرحلي»، ويمنح اعتراض معارضيه صفة الانفعال، كأن العقل لا يسكن إلا في ضفةٍ واحدة من السؤال! هكذا يغدو العقل شعارًا يُستدعى لتدجين المعنى، والواقعية قناعًا يُخفي إعادة تعريف الحدود بين الممكن والمستحيل، حتى لا يعود السؤال: ماذا فُرض علينا؟ بل: لماذا لا نتكيف مع ما فُرض؟ وفي هذا التحول الهادئ، تتبدل البوصلة من غير أن يُسمع لصوتها انكسار!

    هكذا عملت هذه النخب على إعادة تموضع الأسئلة: من «من يحتل الأرض؟» إلى «كيف يمكننا إدارة هذا الواقع؟»، ومن «ما حقنا في المقاومة؟» إلى «كيف نتعايش مع الخصم بذكاء؟». وفي قصصٍ متفرقة، يمكن أن نلاحظ صحفيين أو مفكرين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي يعيدون إنتاج سردية التطبيع تحت عباءة الحداثة والعقلانية، وكأنهم يُقرون بسقوط القيم المبدئية ويستبدلون بها منطق المصلحة والتكيف، بينما كان هدف الخصم الفعلي – أي المشروع الصهيوني – يتحقق دون أن يرفع أحدٌ أي لافتة ولاء!

    باختصار، كانت هذه النخب قوة غير معلنة في الفضاء الفكري والسياسي العربي، قوة تمارس التأثير على الوعي الجمعي بحنكة التجديد الظاهري، لكنها في العمق تعمل على إعادة صياغة الواقع بما يخدم المشروع المعادي، من خلال التشكيك في الرواية الوطنية وإعادة توزيع المسؤوليات، بحيث تصبح الهزيمة عقلانية، والمقاومة عبئًا، والاحتلال مجرد واقعة تاريخية قابلة للمواءمة!

ثانيًا: أدوات التأثير الإعلامي والثقافي في الرأي العام

    لم يكن تأثير ممثلي الصهيونية العربية محصورًا في الأفكار أو المقالات الأكاديمية، بل امتد إلى الفضاءات الإعلامية والثقافية، حيث شكلوا أجهزة غير مرئية لإعادة صياغة وعي الجماهير. في الصحافة، كانت المقالات التحليلية والإسهامات النقدية تبدو للوهلة الأولى كمراجعات للتاريخ، لكنها في العمق أعادت رسم الحدود بين الضحية والجلاد، وصورت الاحتلال بوصفه نزاعًا «متكافئًا» أو «طبيعيًا»، بينما تم تحميل المقاومة مسؤولية التصعيد والفشل. أمثلة ملموسة يمكن استحضارها من الصحف في العقود الأخيرة، وفي عديد من البلدان العربية، حيث نشرت مقالات نقدية للرواية الفلسطينية، مُخضبة بلغة الحداثة والواقعية، تُحاكي خطاب «الاعتدال» وتضفي على التطبيع الشرعية الفكرية.

    أما في التعليم، فقد كانت المناهج إحدى ساحات الصراع الأكثر حساسية؛ إذ جرى تفريغ التاريخ من بُعده التحرري والمقاوم، وإحلال روايات شبه محايدة محل صور البطولة الوطنية، وتقديم الاحتلال كواقع تاريخي لا مفر منه، وتحويل فلسطين إلى ملف تفاوضي، بينما تم اختزال تجربة المقاومة إلى أخطاءٍ تكتيكية وعواطف مبالغ فيها. وهكذا، أصبح جيلٌ كامل من الطلاب معرضًا لتلقي نسخة من الواقع مفلترة، تُحول المأساة إلى عبء شخصي، والحق إلى قضية نسبية، والعدو إلى شريك محتمل في «المنطق الواقعي» الذي يُروجون له.

    في السياسة والثقافة، استُخدمت الفعاليات الفكرية، والمنتديات الأدبية، والمحاضرات الأكاديمية، كمساحات لإعادة تأطير القضايا الوطنية، بحيث تبدو المقاومة والمطالبة بالحقوق خيارات متطرفة، بينما يُغدو الحوار مع إسرائيل «حكمة» و«ضرورة». وهكذا، عملت هذه الأدوات الإعلامية والثقافية كسلسلة من المسارب الخفية، تحمل الفكر الصهيوني إلى وعي الناس بلغة عربية مألوفة، تخفف من وطأة الخيانة المعلنة، وتحول القبول بالوجود الصهيوني في الوعي العربي من فرض سياسي إلى مسألة عقلانية «واعية»»، ليصبح التطبيع ممارسة عميقة الجذور، وتتحقق الأهداف من دون صخب الصدام المباشر، بل بهدوء التحول الفكري والثقافي!

ثالثًا: أقنعة الولاء وأساليب الإخفاء

    السمة المميزة للصهيونية العربية لا تتمثل فقط في تبني أفكارها أو إعادة إنتاج سرديتها، بل في مهارة إخفاء الولاء الخارجي وراء أقنعة براقة من الحداثة والتقدم والتحرر؛ فقد صوَّر بعض المفكرين والسياسيين التطبيع والتقارب مع إسرائيل بوصفه خيارًا عقلانيًا للتقدم الوطني، أو خطوة نحو الانفتاح على العالم، بينما هو في جوهره تسليمٌ ضمني للهيمنة وتطبيعٌ للوجود الاستعماري. على سبيل المثال،، في أواخر السبعينيات، خرجت أعداد من المثقفين في مقالات صحفية ومؤتمرات أكاديمية، يروجون لفتح قنوات ثقافية وإعلامية مع إسرائيل بوصفها تجربة «تحررية» و«نموذجية» للديمقراطية والتكنولوجيا، دون أن يوضحوا أن هذا الانفتاح يتم على حساب الحقوق الفلسطينية والذاكرة الوطنية. وفي الفضاء الثقافي، كانت المسارح والمنتديات وفعاليات الأدب المُسمى «تقدميًا» أداة لتقديم إسرائيل كحليفٍ محتمل، حيث تُعرض الروايات الفلسطينية في إطار نقدي مبسط، ويُعاد تأطير المقاومة كعاطفة مفرطة أو تجاوز للمنطق، بينما تُعزَّز قيم الانفتاح والتعاون بوصفها رموزًا تقدمية. وهكذا يتحول الولاء الخارجي إلى موقف مقنع للضمير العربي، لا يثير صدمة مباشرة، بل يُسوَّق عبر اللغة والرموز والفلسفة السياسية على أنه اختيار حر وناقد، وكأنه فضيلة معرفية! 

    إنها مهارة مزدوجة: من جهة تُبقي الولاء للخارج مستترًا، ومن جهة أخرى تحيله إلى منطق «تقدمي» أو «تحرري»، بحيث يصبح القبول بالوجود الإسرائيلي، بل والعمل معه، أمرًا مشروعًا أخلاقيًا وفكريًا، بدلاً من أن يكون خيانة صريحة. ومن هنا، تتبدل المفاهيم: المقاومة تصبح تطرفًا، والخضوع يصبح حكمة، والتنازل عن الحقوق يصبح علامة نضج، بينما الحقيقة التاريخية والضمير الجمعي يخضعان لإعادة صياغة دقيقة، يفرضها الخطاب الناعم لهذه النخب، في إطار مسار طويل من التكيف الفكري والثقافي مع المشروع الصهيوني.

***

    كشفنا في هذه الحلقة عن الوجه الخفي للصهيونية العربية، ليس بوصفها تنظيمًا أو كيانًا معلنًا، بل بوصفها شبكة فكرية وثقافية وسياسية متشابكة، حملتها نخب متباينة المشارب، من مثقفين وأكاديميين وكتاب إلى سياسيين وصحفيين، لم يرفعوا شعارات الولاء المباشر، لكنهم أعادوا إنتاج سردية الخصم على نحوٍ مخفي، وألبسوا الاحتلال غلاف العقلانية والحداثة، والمقاومة ثوب العاطفة المفرطة، والحق التاريخي ثوب الخلاف «المتوازن».

    استعملت هذه النخب أدوات الإعلام والتعليم والثقافة بحنكة فذة، فحوَّلت المقال الصحفي إلى منبر لإعادة صياغة الوعي، وحوَّلت المنهج التعليمي إلى مساحة لتصفية الذاكرة الوطنية من بعديها التحرري والمقاوم، وحوَّلت الفعاليات الثقافية والأدبية إلى فضاءات تُعزّز الانفتاح على إسرائيل بوصفه فضيلة عقلانية ومثالًا تقدميًا. وكل ذلك، تم في ظاهر الأمر تحت شعارات الحداثة والواقعية والتحرر، بينما في الجوهر كان الولاء للخارج مستترًا، والاختيار الحر «الناقد» مجرد قناع لمصالح الخصم.

    إن مهارة هذه النخب تكمن في تحويل الولاء الخارجي إلى خطاب مقنع، والتحكم في الوعي دون مواجهة مباشرة، بحيث تصبح الهزيمة مقبولة، والمقاومة مرفوضة، والتنازل عن الحقوق فضيلة، والقبول بالوجود الصهيوني جزءًا من «النضج الفكري». وفي هذا السياق، لا تكون الصهيونية العربية مجرّد تبنٍ مباشرٍ لأطروحات الحركة الصهيونية، بل سيرورةً أدق وأعمق: عملية ترويضٍ مستمر للذهن، وإعادة سبكٍ للذاكرة، وإعادة تعريفٍ للواجب الأخلاقي، بحيث يُخدم المشروع الصهيوني من غير أن يُرفع له شعار. إنها هندسة بطيئة للمفاهيم، يُعاد فيها تأويل التاريخ، وتُخفَّف وطأة الجرائم، ويُعاد توصيف الصراع حتى يفقد حدته الأصلية. ولذلك لا يُقاس هؤلاء بما يعلنونه صراحةً، بل بما يُسهمون في تطبيعه داخل الوعي العام. فهم لا يدافعون عن إسرائيل في كل مقام، بل يدافعون عن الشروط الفكرية التي تجعل وجودها أمرًا عاديًا، واعتداءاتها مادةً للجدل لا للإدانة، ومقاومتها فعلاً مشبوهًا يستحق المساءلة. وهنا تنكشف المفارقة الأشد قسوة: خطابٌ يتزيا بزي الحداثة، غير أن ثماره رجعية؛ يزعم التحرر، بينما يرسخ التبعية؛ يتحدث باسم العقل، فيما هو، في عمقه، إعادة صياغةٍ مهذّبة للهزيمة!