-->

الجمعة، 29 مايو 2026

فقه النفاق وبلاغة التزلف

مايو 29, 2026

رجل يرتدي قناعًا يصفق في الظل أمام شخصية نافذة، في مشهد رمزي يعبر عن النفاق والتزلف والخوف من فقدان السلطة والمصلحة.

    ليس النفاق ثمرةً مباشرةً للكذب الصريح بقدر ما هو انكسارٌ خفيٌّ في أعماق النفس؛ لحظةٌ يفقد فيها الإنسان يقينه بقيمة ذاته، فيتخلى عن الطريق الوعر الذي تشقه الكفاءة ويُثمر في أرجائه العمل، ويؤثر بدلاً منه دربًا أقصر، صاخبًا ببريقه الزائف، هو درب التملق والتزلف. ومن هذا الفراغ الداخلي يولد «التطبيل»؛ وهذا الأخير لا يعكس موهبةً في القول، وإنما يُمثل فقرًا في الخيال، وإفراطًا في التكرار، حتى يغدو كمرآةٍ باردة لا تعكس الحقيقة بقدر ما تعكس جوع صاحبها إلى القبول، وتعلقه المرضي بوهم الاستحسان.

    ومن يتأمل خطاب المنافقين في بنيتنا الإدارية والإعلامية بعينٍ نافذة، لا يلبث أن يكتشف أنه خطابٌ يدور في مدارٍ مغلق، كأن لغته قد كُتبت مرةً واحدة ثم حُكم عليها بالتكرار الأبدي: «برؤيةٍ حكيمة»، «بتوجيهاتٍ مُلهمة»، «بفضل القيادة الرشيدة»، «في إنجازٍ غير مسبوق»، «تحت رعاية معالي …». عباراتٌ تتبدل فيها الأسماء والتواريخ، بينما يبقى الهيكل ذاته قائمًا، كجسدٍ بلا روح، أو كصدى يتكرر في فراغٍ طويل. ولعل سر هذا التماثل المرهق يكمن في طبيعة النفاق ذاتها؛ فالنفاق لا يُبدع، لأنه لا يصدر عن حقيقةٍ داخلية، بل عن حساباتٍ باردة تُتقن فن النجاة أكثر مما تُتقن فن الصدق. 

    إن المنافق لا يخلق لغةً جديدة، لأنه لا يتكلم من منبع القناعة، وإنما من خوفٍ دفين أو طمعٍ مقنَّع؛ لذا يلوذ دائمًا بالقوالب الجاهزة، بالعبارات التي جُربت من قبل وأثبتت قدرتها على استرضاء السلطة، واستجلاب الرضا، واستمالة النفوذ. هكذا تصبح اللغة عنده أداةَ تكسبٍ وسُلمًا للمنفعة وليس نافذةً للتعبير عن الحقيقة؛ غايتها الظفر بمكانةٍ لا يستحقها، أو حماية موقعٍ هش، أو اقتناص مصلحةٍ خاصة، ولو تعارضت مع مصالح الآخرين أو مع المعنى الأخلاقي ذاته. 

    ولأن النفاق يقوم على الخوف أكثر مما يقوم على الفطنة، فإنه يدفع صاحبه إلى تكرار الصيغ والكلمات كما يُكرر الإنسان التعويذة التي يهاب فقدانها. المنافق لا يبتغي الحقيقة، بل يبتغي الأمان؛ والأمان في نظره ليس في نيل احترام الناس، بل في التسلل إلى دائرة صاحب القرار والتعبد فيها، ولو كان الثمن تفريطًا في كرامته؛ ففي قلبه خوفٌ دائم، يُرغم الكلام أن يتحول إلى قوالب مكررة، والتصرف إلى مراوغة محسوبة، حتى تصبح اللغة مسلوبة من صدقها، لتصبح أداة لإرضاء القوة بدل أن تكون مرآة للوعي!

    لا ينفي هذا كله أن تاريخنا العربي قد عرف، في بعض عصوره، نمالذج من المبدعين في صناعة النفاق؛ أولئك الذين ارتقوا بالتزلف من مجرد تكرارٍ أجوف إلى بناءٍ لغوي بالغ الحذق، يُجملونه بالبلاغة ويخفون داخله غاياتهم الحقيقية. فقد كان بعضهم يمتلك من الفصاحة والدهاء ما يجعل المدح يبدو حكمة، والانحناء يبدو وفاءً، حتى تختلط الحدود بين الإعجاب الصادق والتملق المصنوع. من ذلك مثلاً أن زلزالاً وقع بمصر زمن المماليك، فقال شاعرٌ للأمير: ما زُلزلت مصر من كيدٍ أُريد بها، لكنها رقصت من عدلكم طربًا!

    غير أن براعة الأسلوب لا تغير من جوهر الفعل شيئًا؛ فالنفاق، مهما تجمل باللغة أو استعان بسحر البيان، يظل انحرافًا عن الحقيقة، لأن القيمة الأخلاقية للكلمة لا تُقاس بجمال صياغتها وحده، بل بصدق الدافع الكامن وراءها. وهكذا قد يتحول البلاغي الموهوب، حين يبيع صوته للسلطة أو للمصلحة، إلى شاعرٍ للظل لا للنور؛ يبدع في تزيين القيد بدل كسره، وفي تخدير الوعي بدل إيقاظه.

    مع ذلك، تبقى المفارقة الأكثر مرارة أن كثيرًا من المطبلين لا يبلغون في نهاية المطاف ما أفنوا أعمارهم في السعي إليه؛ يقفون طويلاً على عتبات النفوذ، يصفقون حتى تتعب أرواحهم قبل أيديهم، ثم يحل غيرهم محلهم قسرًا في لحظةٍ باردة، لأن السلطة – في كثيرٍ من الأحيان – تستعمل التزلف أكثر مما تؤمن به، وتستهلك المادحين كما يتم استهلاك الأدوات الوقتية العابرة؛ فالمنافق يظن أنه يشتري مستقبله بفيض المديح، بينما هو، في الحقيقة، يبيع صوته الحقيقي قطعةً قطعة، حتى يستيقظ يومًا فلا يعثر لنفسه على نبرةٍ تخصه، ولا على ملامحٍ مستقلة تميزه عن الجموع. إن أخطر ما يفعله النفاق بالإنسان ليس تشويه صورته أمام الآخرين، بل محوه التدريجي لصورته أمام ذاته.

    ولعل السر الأعمق في استمرار هذه الظاهرة، رغم إخفاق كثيرٍ من أصحابها، أن النفاق لا تحركه المصلحة وحدها، بل يغذيه الوهم أيضًا؛ وهم أن المكانة تُنال بالقرب لا بالجدارة، وأن الكلمات المتورمة بالمبالغة تستطيع اختصار المسافة التي لا يقطعها إلا العمل، وأن التصفيق المستمر يفتح أبواب السلطة إلى الأبد. غير أن الحقيقة أكثر قسوةً وهدوءًا: فالمديح حين يفقد صدقه، يتحول إلى ضجيجٍ مألوف، والضجيج – مهما ارتفع – لا يلبث أن يصبح جزءًا من الصمت. ولهذا يبدو النفاق قديمًا على الدوام، حتى حين يتخفى في لغةٍ حديثة وشعاراتٍ براقة؛ لأن جوهره لا يتبدل: خوفٌ يرتدي هيئة الولاء، وضعفٌ يتكلم بلسان المبالغة، وإنسانٌ لم يدرك بعد أن الاحترام الذي يُنال بالكرامة أبقى أثرًا من المكانة التي تُستجدى بالانحناء. فكل عصرٍ يغير ألفاظه، لكن النفاق يظل يعيد المعنى ذاته، كأن التاريخ يبدّل الأقنعة بينما يبقى الوجه واحدًا.

    وإذا جاز لنا أن نستعير لفظ «الفقه» إلى غير مجاله المألوف، فإن «فقه النفاق» ليس علمًا بالمعنى الرفيع للعلم، بل هو ذلك الإدراك العملي الذي يتقنه بعض الناس في التكيف مع موازين القوة السائدة؛ إنه فقهٌ لا ينشغل بفهم المعنى، بل بقراءة مزاج المسؤول الأعلى؛ لا يبحث عن القيمة، بل عن الصيغة التي تضمن القبول، ولو كان ثمنها التفريط في الصدق. ولهذا يتحول الكلام فيه إلى هندسةٍ دقيقة للمصلحة: ماذا يُقال؟ ولمن؟ وكيف يُقال؟ وما القدر الكافي من المبالغة لإرضاء المسؤول من غير أن يفتضح القصد؟

    في هذا «الفقه» يغدو الضمير تفصيلاً قابلًا للتأجيل، بينما تصبح اللغة أداةَ تموضعٍ اجتماعي. ولذلك يزدهر النفاق غالبًا في البيئات التي يضعف فيها معيار الجدارة، ويرتفع فيها معيار القرب؛ هناك، لا يعود التزلف انحرافًا أخلاقيًا في نظر أصحابه، بل مهارةً لازمة للبقاء، وطريقًا شبه مشروع لاجتياز السلالم المغلقة.

غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن هذا «الفقه»، مهما بدا بارعًا في الظاهر، يظل عاجزًا عن صناعة مكانةٍ حقيقية؛ لأنه يتعامل مع الظلال، ومع الانطباعات العابرة. ولهذا يبقى صاحبه أسير دائرةٍ لا تنتهي من التصفيق، يقترب من مراكز النفوذ دون أن يقترب حقًا من جوهر التأثير أو الطمأنينة الداخلية. ومع الزمن، لا يعود النفاق مجرد وسيلةٍ للصعود، بل يتحول إلى عادةٍ تلتهم صاحبها ببطء، حتى لا يبقى فيه إلا صدى الكلمات، بينما يتوارى المعنى، وتغيب الذات التي كانت يومًا قادرةً على قول الحقيقة دون خوف!

    ولما اشتدت المحن، تفرق أهل الود الكاذب كما يتفرق السراب عند أول المطر، وبقيت الوجوه التي عرفت الصدق ثابتةً لا يزعزعها خوفٌ ولا طمع، فعلمتُ يومئذٍ أن المنافق لا يصبر على الشدائد، لأن قلبه معلقٌ بالمصلحة لا بالمحبة، ولسانه مع الناس وقلبه عليهم. وما أقسى أن يكتشف المرء أن بعض الابتسامات لم تكن سوى ستارٍ تخفى خلفه الخداع طويلاً!

الخميس، 28 مايو 2026

الفنكوش العربي: أفيون الأمل المؤجَّل!

مايو 28, 2026

الفنكوش العربي: أفيون الأمل المؤجَّل!

    في العالم العربي، لا يحيا الإنسان داخل الواقع بوصفه معطًى ملموسًا فحسب، بل داخل طبقات معقدة من الوعود المؤجلة، والشعارات المصقولة، والاستعارات التي يتم الاعتناء ببريقها أكثر مما يتم التماس الحقيقة ذاتها؛ فثمة  أفق يتم التلويح  به من بعيد دائمًا: نهضة، وحدة، عدالة، رفاهية، مشروع عظيم، مستقبل لامع، انتصار تاريخي، أو إصلاح شامل. غير أن هذا المستقبل الموعود يظل، في كثيرٍ من الأحيان، معلقًا في منطقةٍ ضبابية بين الحلم والتسويف، حتى يغدو أشبه بذلك الكائن الرمزي الذي انبثق من الثقافة الشعبية وتسلل من السينما ليستقر في الوعي الجمعي: «الفنكوش»؛ ذلك الشيء الذي يكثر الحديث عنه، وتُبنى حوله التوقعات، وتُنشر الإحصائيات، وتتوالي الدراسات والتحليلات، بينما يظل وجوده  موضع شك دائم.

    لم يعد «الفنكوش» مجرد مفردة ساخرة نُسمي بها ما لا وجود له، بل تحول، عبر تراكم الخيبات، إلى بنيةٍ ذهنيةٍ متكاملة، وإلى فلسفةٍ ضمنية في إدارة الأمل الجماعي وتأجيل الاصطدام بالحقيقة. إنه لا يعمل بوصفه كذبةً مباشرة، فالكذبة يفتضح أمرها عند أول اختبار لها، أما الفنكوش فيعيش داخل منطقةٍ رمادية بين الإمكان والوهم، فيها يُصبح الوعد أكثر رسوخًا من التحقق ذاته. ولهذا فالفنكوش ليس في حاجةٍ إلى أن يوجد بالفعل؛ إذ تكفي قابلية الانتظار الدائمة له لكي يحافظ على سلطته في الوعي، وكأن المجتمعات لا تتغذى على الحقيقة، بل على الاحتمال المؤجَّل للحقيقة.

    في الأزمنة العربية الحديثة، لم يجرِ تهميش الواقع فحسب، بل حلت محله تدريجيًا سردية الفنكوش؛ حتى غدت الأشياء تُقاس لا بما تُنتجه من أثرٍ فعلي، بل بما تنسجه حول ذاتها من خطاباتٍ وصورٍ ورموز. وهكذا فقدت اللغة وظيفتها الأولى بوصفها أداةً للكشف، وتحولت إلى ستارٍ بلاغي كثيف يُعاد عبره ترتيب الخيبات بحيث تبدو أقل قسوة وأكثر قابليةً للتأويل. ومع مرور الوقت، صار الخطاب يزداد فخامةً كلما اتسعت الهوة بين الكلمات والواقع، وكأن البلاغة لم تعد تعبيرًا عن القوة، بل تعويضًا متأخرًا عن غيابها؛ فالموارد تُستنزف، والإنسان العربي يشيخ تحت وطأة الانتظار الطويل، والاقتصاد يترنح كجسدٍ فقد توازنه الداخلي، والثقافة تتراجع إلى أدنى مستوياتها، والتعليم يتدهور بشكل غير مسبوق، ... إلخ، غير أن اللغة تظل محافظةً على اللمعان الاحتفالي لهذه المجالات الحيوية، كأنها منفصلةٌ تمامًا عن العالم الذي تصفه. الكلمات وحدها تبدو ناجيةً من التآكل؛ تخرج كل يوم بثيابٍ جديدة من مطبعة الحلم، فيما الواقع، في الجهة الأخرى، يواصل سقوطه الصامت خارج النص!

    إن أخطر ما في «الفنكوش» أنه لا يُولد من سلطةٍ تُفرض فحسب، بل من قابليةٍ إنسانيةٍ تتواطأ معه من حيث لا تدري؛ إذ يشارك الناس أحيانًا في نسج خيوطه، كأنهم يمدون له من أرواحهم ما يفتقر إليه من واقع؛ فالوهم المُطمئن قد يغدو، في لحظات الانكسار، ألين على النفس من الحقيقة حين تتفاقم قسوتها؛ والإنسان الذي أثقلته الخيبات لا يعود يميز بين الضوء الصادق وانعكاسه الزائف، فيتشبث بأية نافذةٍ مشرقة ولو كانت مرسومةً على جدارٍ موصد. وهكذا لا ينمو «الفنكوش» في فراغٍ عابر، بل يزدهر في زمنٍ يطول فيه الانتظار، ويخفت فيه الفعل، ويتحول فيه العمر إلى صالة انتظارٍ كبرى، يترقب فيها الجميع وصول ما قد لا يأتي أبدًا!

    «الفنكوش» العربي ليس سياسيًا فقط، بل هو حالةٌ ثقافيةٌ متغلغلة تتسرب في تفاصيل العيش اليومية؛ يتجلى في التعليم حين تتحول المعرفة إلى حفظٍ أجوفٍ للكلمات دون أن تمس العقل بالمعنى، وفي الإعلام حين تغدو الضوضاء بديلاً عن الفكرة، والزخم اللفظي ستارًا على فراغ الدلالة، وفي اللقاءات اليومية حين يتوارى الإنسان خلف أقنعةٍ جاهزة وعباراتٍ مستعارة تُغني عن الصدق ولا تُقيم له وزنًا؛ بل إن الفرد ذاته قد ينزلق، دون وعي، إلى نسخةٍ مصغرة من هذا «الفنكوش»؛ يُكدس الوعود المؤجلة، ويُعلن عن ذواتٍ افتراضية أو مستقبلية لا يعبر إليها، ويتحدث عن حياته «كما ينبغي أن تكون» أكثر مما يحياها «كما هي كائنة بالفعل»!

    غير أن المسألة أعمق من أن يتم اختزالها في سخريةٍ عابرة أو توصيفٍ ساخر؛ فالفنكوش، في جوهره، ليس مجرد خداعٍ متعمد، بل هو عرضٌ لجرحٍ حضاريّ ممتد. وحين تعجز المجتمعات عن إنتاج واقعٍ كريمٍ ملموس، تُفرط في إنتاج الرموز، وتستعيض عن البناء بالتصوير. وحين تخفق السياسة في إنجاز المستقبل، تنتفخ اللغة حتى تكاد تبتلع الواقع. وهكذا امتلأ تاريخنا الحديث بشعاراتٍ شاهقة، بدت أكبر من الأرض التي يُفترض أن تحملها، وأعلى من قدرة الحياة ذاتها على تصديقها

    مع ذلك، لا يمكن للإنسان أن يعيش بلا خيال. المشكلة ليست في الحُلم، بل في تحوله إلى بديل دائم عن الفعل؛ فالحضارات لا تنهض من علٍ، بل تُبنى حين تنزل الأفكار من منابر الخطابة إلى الشوارع، ومن الخُطط ومراكز صنع القرار إلى المؤسسات، ومن بهرجة البلاغة إلى كثافة العمل الذي لا يتطلب التصفيق.

    إن الخروج من زمن «الفنكوش» لا يتحقق بإسقاط الأوهام الكبرى وحدها، بل باستعادة تلك الفضيلة البسيطة التي تكاد تبدو ثورية في سياقٍ مثقلٍ بالزينة اللفظية: أن تتطابق اللغة مع القدرة، وأن نقول ما يمكن فعله، وأن نفعل ما نقوله. إنها قاعدة متواضعة في ظاهرها، لكنها في عالمٍ اعتاد المبالغة قد تبدو كأنها انقلابٌ على طبيعة الأشياء.

    ولعل السؤال الأشد قسوةً ليس: لماذا يتكاثر «الفنكوش»؟ بل: لماذا نحتاج إليه إلى هذا الحد؟ قد يكون الجواب أن العربي، بعد تراكم طويل من الانكسارات، لم يعد يخشى الفشل بقدر ما يخشى الفراغ؛ فراغ المعنى حين ينكشف دون ستر. وهنا يُقدم «الفنكوش» عزاءً هشًّا، لكنه فعَّال: إحساسًا مؤقتًا بأن الاحتمال ما يزال قائمًا، وأن الغد لم يُغلق بابه تمامًا. إنه، بهذا المعنى، أفيون الأمل المؤجَّل.

    غير أن الأمم، في نهاية المطاف، لا تُستعاد بالأفيون، بل باليقظة التي تُعيد للواقع ثقله، وللأمل شرطه، وللعمل معناه!

الأحد، 17 مايو 2026

الحب: الملاذ الآمن لانكسارنا

مايو 17, 2026

صورة تعبيرية دافئة تعبر عن الحب كونه الملاذ الآمن للانكسار والتعافي العاطفي

   ثمة لحظة نادرة في حياة الإنسان، يكتشف فيها أن الحب لم يكن أبدًا ذلك الافتتان الأول الذي يشبه دهشة الضوء، ولا تلك الرعشة العابرة التي يتركها الجمال في القلب، بل شيء أكثر عمقًا وخفاءً؛ أن يجد روحًا يستطيع أن يضع أمامها ضعفه كاملاً دون أن يرتجف من الخجل؛ فمعظم البشر يقضون أعمارهم وهم يتقنون فن التخفي: يُخفون خوفهم خلف الصلابة، ووحدتهم خلف الضحك، وانكساراتهم الصغيرة خلف ملامحٍ متماسكة. لكن الحب الحقيقي يبدأ حين تسقط هذه الأقنعة بلا خوف، ويشعر الإنسان أن هشاشته ليست عبئًا على أحد!

    لهذا، فإن أكثر العلاقات عمقًا ليست تلك التي تُدهشنا، بل تلك التي تُطمئننا. هناك فرقٌ شاسع بين شخص يثير إعجابك، وآخر يمنحك شعورًا خفيًّا بأنك لست مضطرًا لخوض معاركك الداخلية وحدك. الإعجاب قد يُولد من صورة، أو من حضور، أو من ذكاء، أو من سحر عابر، أما الحب الناضج فيولد من الأمان؛ من تلك اللحظة التي تعترف فيها بفوضاك كاملة، ثم تكتشف أن الطرف الآخر لم يغادر، بل كان وما زال «ملاذًا آمنًا» لك.

    ربما كان أجمل ما يكشف حاجة الإنسان إلى هذا «الملاذ الآمن» ما نجده في سيرة نبينا ورسولنا (صلوات الله وسلامه عليه)؛ ذلك الرجل الذي حمل أثقل رسالة عرفها التاريخ، ومع ذلك لم يكن مستغنيًا عن الطمأنينة البشرية؛ فعندما عاد من غار حراء مرتجف الروح بعد أول لقاء بالوحي، لم يذهب إلى قوةٍ تحميه ولا إلى مجدٍ يسنده، بل ذهب إلى «خديجة» وهو يقول: «زملوني، زملوني». كانت «خديجة» بالنسبة إليه ذلك «الملاذ الآمن» الذي يستطيع فيه أن يُظهر خوفه كاملاً دون أن ينتقص ذلك من عظمته شيئًا. لم تُحاكم ارتجافه، ولم تطلب منه أن يبدو صلبًا، بل احتضنت هشاشته بحنانٍ عظيم وقالت كلمتها الخالدة: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا». وكأن الحب الحقيقي يبدأ حين يجد الإنسان من يطمئنه إلى نفسه في اللحظة التي يشك فيها بكل شيء. 

    ثم جاء أبو بكر (رضي الله عنه)، ذلك الصديق الذي لم يكن مجرد رفيق طريق، بل كان سكينةً أخرى أودعها الله في قلب النبي؛ ففي أشد لحظات الخوف داخل الغار، بينما كان الاثنان مطاردين، لم يقل النبي لصاحبه: «لا تخف، سننجو بحيلتنا»، بل قال: «لا تحزن إن الله معنا». كان بينهما ذلك النوع النادر من المحبة الذي يجعل الإنسان قادرًا على أن يكون مطمئنًا حتى وهو محاصر بالخوف. ولهذا لم يكن «أبو بكر» مجرد صاحبٍ للنبي، كما لم يكن النبي مجرد صاحب لـ «أبي بكر»، بل كان كل منهما مساحةً إنسانية آمنة للآخر، يستطيع فيها أن يشارك أثقال الطريق دون حاجة إلى التظاهر بالقوة المطلقة طوال الوقت.

    أما في تاريخ الفلسفة، فلعل الفيلسوف الدنماركي «سورين كيركجارد» Søren Kierkegaard كان واحدًا من أكثر من لمسوا هذه الحقيقة، وإن عاشها بصورة مأساوية؛ فقد أحب «ريجينا أولسن» Regine Olsen حبًّا عميقًا، وتقدم بالفعل لخطبتها، لكنه كان يرى نفسه غارقًا في قلقٍ وجودي وظلمة داخلية لا يريد أن يجرها إليها. كتب في يومياته أنه كان يشعر أن روحه «أثقل من أن تُمنح لإنسان آخر بسلام». لم يكن يخاف ألا تُحبه، بل كان يخاف أن ترى هشاشته كاملة. ولذا انسحب من حياتها رغم حبه الكبير، وظل يحملها في قلبه حتى آخر عمره.

    المأساة هنا لا تكمن في الفراق وحده، بل في أن «كيركجارد» أدرك متأخرًا أن الإنسان لا ينجو من ظلامه بالعزلة، بل بوجود من يستطيع أن يرى هذا الظلام دون أن يرتعب. لقد كان يبحث عن حبٍ لا يطالبه بأن يكون قويًا طوال الوقت، حب يسمح له بأن يكون إنسانًا فحسب، بكل ما في الإنسان من نقص وارتباك وتعب. وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للحب: ألا يمنحك شخص سببًا إضافيًّا للحياة فحسب، بل أن يمنحك مساحة آمنة تنجو فيها من قسوة نفسك!

    كذلك كانت قصة «فريدريك نيتشه» Friedrich Nietzsche مع «لو أندرياس – سالومي» Lou Andreas-Salomé رغم انتهائها بالفشل العاطفي؛ فما يجعلها استثنائية هو أن «نيتشه» – ذلك الفيلسوف الذي ارتبط اسمه بالقوة وإرادة التغلب – كشف في رسائله جانبًا هشًّا ومؤلمًا من روحه، لم يظهر في كتبه بالقدر ذاته. كان «نيتشه» يعيش عزلة قاسية؛ جسده منهك، وعلاقته بالعالم متصدعة، حتى بدا كأنه رجل يحمل داخله حربًا لا تهدأ. ثم جاءت «لو»، الشابة الذكية الجميلة، فشعر للمرة الأولى أن هناك من يستطيع أن يراه خارج صورة «الفيلسوف العظيم». أحب فيها قدرتها على الإصغاء إلى روحه، وليس فقط إلى أفكاره. وفي رسائله إليها بدا مختلفًا تمامًا: أقل صلابة، وأكثر احتياجًا، كأنه أخيرًا وجد شخصًا لا يحتاج أمامه إلى ارتداء قناع العبقرية!

    كتب لها مرة بمعنى يكاد يختصر أعمق حاجة بشرية: أن الإنسان لا يريد دائمًا من يفهم أفكاره، بل من يحتمل روحه؛ كان يتحدث معها عن خوفه، وعن وحدته، وعن شعوره الدائم بأنه غريب عن العالم. لم يكن يحاول أن يبدو متماسكًا؛ بل على العكس، كانت رسائله اعترافًا طويلاً بأن القوة الفكرية لا تمنع القلب من أن يكون هشًّا. لكن «لو» لم تبادله الحب بالطريقة التي تمناها، وانتهت العلاقة تاركة داخله جرحًا عميقًا. ومع ذلك، فإن مغزى هذه القصة لا يكمن في نهايتها، بل في تلك اللحظة النادرة التي تخلى فيها «نيتشه» عن دفاعاته كلها. الفيلسوف الذي كتب عن الإنسان المتجاوز لضعفه، كان في الحب يبحث – مثل أي إنسان بسيط – عن مساحة لا يُدان فيها بسبب ضعفه!

    على الإجمال، ثمة تعبٌ عميق لا يراه الناس فينا، تعبٌ لا تصنعه الحياة وحدها، بل تصنعه تلك المحاولة المستمرة لأن نبدو أقوياء طوال الوقت؛ فالإنسان، منذ طفولته، يتعلم كيف يخفي ارتجافه الداخلي: يتماسك لكي لا يُخذل، ويصمت كي لا يُساء فهمه، ويبتسم أحيانًا فقط ليمنع العالم من رؤية الحزن الهادر في قلبه. ولهذا تبدو الراحة الحقيقية نادرة؛ لأن أغلب العلاقات البشرية – مهما امتلأت حبًّا – يبقى فيها قدرٌ من الخوف: الخوف من أن يعرفنا الآخر كاملين، ثم يختار الرحيل!

    لكن الأمر يختلف تمامًا حين يقف الإنسان بين يدي الله. هناك، تسقط الحاجة القديمة إلى التظاهر؛ لا يعود المرء مضطرًا لأن يبدو ثابتًا أو متماسكًا أو جديرًا بالإعجاب. يقف بروحه العارية كما هي: بخوفه، وضعفه، وتناقضاته، وبالأشياء التي لا يستطيع حتى أن يعترف بها لنفسه أحيانًا. والعجيب أن هذه الهشاشة، التي نخجل منها أمام البشر، تتحول في حضرة الله إلى طمأنينة. لأن الإنسان يدرك – في أعماقه – أنه أمام رحمة لا تُفاجأ بضعفه، وأمام محبة لا تنقص بسبب انكساره.

    لهذا السبب تحديدًا يشعر الإنسان براحة غامضة بعد الدعاء، حتى حين لا تتغير الظروف؛ فالدعاء ليس دائمًا طلبًا للحلول، بل لحظة صدق نادرة يتوقف فيها القلب عن المقاومة. كأن الروح، المتعبة من حمل نفسها وحدها، تجد أخيرًا ملاذها الآمن؛ تجد مكانًا تستطيع أن تنهار فيه دون خوف من الإدانة. ولهذا كانت السكينة قريبة دائمًا من السجود؛ لأن الساجد، في جوهر حاله، يعترف بأنه ليس قويًّا بما يكفي وحده. وأقرب ما يكون العبد إلى ربه ليس حين يظن نفسه مكتملاً، وإنما حين يشعر بعجزه الكامل؛ فالضعف أمام الله ليس نقصًا، بل صورة من صور الحقيقة. وكلما تخلى المرء عن وهم الاكتفاء بنفسه، شعر بذلك السلام الخفي الذي يشبه عودة الروح إلى موطنها الأول.

    ربما لهذا لا تمنحنا الدنيا راحة كاملة مهما أحببنا فيها، لأن قلوب البشر – مهما اتسعت – تبقى محدودة، ومتقلبة، وفي حاجة هي الأخرى إلى قلوبٍ أخرى تتسع لها. أما الله وحده فيسع ضعف الإنسان كله، دون أن يطلب منه أن يُخفي شيئًا. ولذلك، حين يثقل القلب بما يعجز عن البوح به، لا يُفتش الإنسان عن مكانٍ يبهجه، بل عن حضرةٍ يطمئن فيها، ويجد فيها أمانه الأخير.

الأربعاء، 13 مايو 2026

بوصلة العقل المُنهك!

مايو 13, 2026

رجل حائر يقف عند مفترق طريق بين عالم مظلم فوضوي وعالم مضيء منظم، مع بوصلة ترمز لصراع العقل بين الوهم والحقيقة.

    في الأزمنة التي تتعانق فيها الظلال مع بقايا النور، ويختلط فيها الضياء بالعتمة، والطيبات بالخبائث، لا يحتاج الزيف إلى موهبةٍ خارقة لكي يستعمر العقول؛ يكفيه أن يتكئ على جزءٍ ضئيل من الحقيقة، وأن يرتدي هيئة الحكمة، ويتحدث بلسانٍ يعرف كيف يُخاطب الرهبة في نفوس الناس، ويعزف على أوتار خوفهم العميق من الألم وفقدان الأحبة. 

    الوهم، حين يُصاغ بملامح العلم، لا يدخل بوصفه عدوًّا صارخًا، بل يتسلل كصديقٍ يحمل وعدًا بالنجاة. وهنا تحديدًا نفهم لماذا ينجذب كثيرون إلى من يتحدث في الطب أو غيره بلا منهج علمي راسخ، ويمزج الصواب بالوهم، والحقائق بالشعوذة، والطمأنينة بالادعاء، والحُلم بالهذيان. المسألة ليست مجرد جهلٍ أو نقصٍ في وعي الأفراد – كما يهوى المتعالون أن يختزلوها – بل هي نتيجة طبيعية لبيئة كاملة تم فيها إنهاك العقل بشكلٍ ممنهج، مع سبق الإصرار والترصد، حتى فقد الناس ثقتهم بالمؤسسات التي كان يُفترض أن تحميهم من التضليل!

    الإنسان، في جوهره، لا يفتش عن الحقيقة المجردة بقدر ما يفتش عمَّن يربت على قلقه الوجودي، ويمنحه شعورًا بأن العالم ما زال به متسعٌ للرحمة. وعندما تتحول المنظومة الطبية، في الوعي الجمعي، إلى بناءٍ بارد تحكمه الحسابات أكثر مما تحكمه الإنسانية، يصبح الباب مفتوحًا على مصراعيه لكل من يُتقن لغة الخلاص. حين يشعر المريض أن المستشفى لم يعد معبدًا للشفاء، بل سوقًا واسعًا للأثمان، وأن التشخيص والدواء صارا امتيازًا محكومًا بالمال أو السلطة، وليس حقًّا مشروعًا لدافع الضرائب، وأن الطبيب – إلا من حفظت روحه بقية من المعنى – تحول إلى ترسٍ صغير داخل آلةٍ لا تعرف سوى الربح؛ عندها تتصدع الثقة وتتشقق من الداخل. وعندما تموت الثقة، يولد البديل، مهما كان هشًّا، أو مُضللاً، أو غريبًا، أو غير مكتمل، لأن النفس البشرية، حين تُترك وحيدة في عتمتها، تفضل وهمًا يمنحها الطمأنينة على حقيقةٍ تعجز عن احتضان خوفها.

    إن أخطر ما تفعله المنظومات الفاسدة أنها لا تكتفي بإفساد الواقع، بل تعبث بالبوصلة التي يُقاس بها هذا الواقع، وتفسد معيار الحكم عليه؛ فهي لا تسرق الحقيقة من الناس فقط، بل تسرق قدرتهم على تمييزها؛ والمجتمع الذي تم تجريف وعيه بعنايةٍ لعقود خلت، وتم تفريغ مؤسساته التعليمية من رسالتها النقدية عن عمد، وتم فيه استبدال الحفظ بالتفكير، والتلقين بالمعرفة، والولاء بالكفاءة، واللقطة بالحقيقة، ... إلخ، لا يمكن أن ينتج مواطنًا يمتلك أدوات التمييز الصارمة بين العلم والادعاء، أو بين العلم الحقيقي والعلم الزائف. إن العقل مثل العضلة؛ إذا حُرم من التدريب على السؤال والشك والتحليل، ضمُر واستسلم لأول صوتٍ واثق، وأول يقين مُعلن، وأول ملاذٍ جاهز، ولو كان أجوفًا وبلا معنى!

    لذا تبدو دهشة بعض المُحللين من تمدد الخرافة ضربًا من البراءة المتكلفة، أو لعلها شكلٌ آخر من العمى الأخلاقي؛ فهم يلعنون الثمار غير الناضجة، لكنهم يتناسون التربة التي أنبتتها؛ يتحدثون عن «الجماهير الجاهلة» كما لو أن الجهل قدرٌ هبط من السماء، وليس صناعة شاركت فيها أنظمة التعليم والإعلام والسياسة معًا. قلَّما يسألون: من الذي حاصر الثقافة حتى غدت ترفًا وتفاهة؟ ومن الذي حوَّل الإعلام إلى سوقٍ للصخب والجهالة والوهم؟ ومن الذي جرَّد الشهادة الجامعية من معناها، وجعلها مجرد ورقة عبورٍ وظيفية لا تمت للمعرفة بصلة؟ ومن الذي دفع بعديدٍ من المهرجين والأشباه إلى واجهة المشهد، لأن أصحاب الكفاءة أقل قابلية للترويض وأكثر ميلاً إلى الاستقلالية؟

    إن الإنسان الذي يعيش تحت ضغط الفقر والمرض والخوف لا يملك دائمًا رفاهية التفكير الناقد؛ والحاجة ذاتها قد تتحول إلى أداةٍ للتضليل؛ فالمريض المُلقى على قائمة الانتظار في مواجهة الألم يبحث عن أي نافذة أمل، والأب العاجز أمام مرض ابنه لا يفتش عن برهانٍ فلسفي أو دليلٍ علمي بقدر ما يبحث عن معجزة تؤجل انهياره، والمريض العاجز عن شراء الدواء قد يتمسك بأي وعدٍ بالشفاء، ولو كان صادرًا عن مدعٍ أو مُضلل. هنا لا يعود التصديق فعلاً عقليًا خالصًا، بل يصبح صرخة نجاة وجودية ضد العجز والموت ... ضد المجتمع. ولذا فإن السخرية من الضحايا ليست موقفًا أخلاقيًا ولا فكريًا، بل هي شكلٌ من أشكال القسوة المتعالية؛ قسوة ترتدي قناع الذكاء؛ إذ لا شيء أكثر فقرًا من عقلٍ يستهزئ بإنسانٍ دفعته هشاشته إلى التعلق بوهمٍ يشبه النجاة، فإما شفاه الله، وإما تخلص من عذابه بالموت!

    المفارقة الأكثر مرارة أن المجتمع الذي يُلام أحيانًا (وفي مواقف محددة بعينها) على انجذابه إلى الوهم، يعيش في واقعٍ تختلط فيه المعايير وتضطرب فيه صورة الكفاءة ذاتها؛ فالناس، في تجاربهم اليومية، يرون أن الحضور والصوت المرتفع يطغيان بشدة على الرؤية الهادئة، وأن العلاقات والثقة الشخصية تتقدم – في كثيرٍ من المواضع – على الخبرة والمعرفة، وان رأس المال الجاهل يشتري ويبيع كل شيء! وحين تصبح هذه قاعدةً عامةً في كل شيء، فلماذا يستغرب بعضهم أن تمتد إلى المجال الطبي أيضًا؟ ليست المشكلة إذن في فردٍ يخطئ التصديق فقط، بل في بنية كاملة تنتج القابلية للتصديق. هناك فرق بين إدانة الوهم، وفهم التربة التي أنبتته. أما الاقتصار على لوم الناس، فهو يشبه معاقبة المريض على أعراض المرض، وترك العلة تنمو آمنة في الجسد حتى تقضي عليه!

    إن المعركة الحقيقية لا تدور، في جوهرها، حول شخصٍ يبيع الوهم أو يقتات على هشاشة الناس فحسب؛ بل حول البنية العميقة التي جعلت الوهم أكثر قدرةً على مواساة الإنسان من الحقيقة ذاتها، وأكثر دفئًا من خطابٍ عقلاني جاف فقد صلته بالمعنى والرحمة معًا؛ فالمجتمعات لا تُخدع فقط لأن فيها مروجين للوهم، بل لأنها تُنتج – في لحظات انكسارها الطويل – حاجةً نفسية وأخلاقية إلى التصديق، حتى يغدو الوهم أحيانًا أقل قسوةً من الواقع، وأكثر احتمالاً من الحقيقة إن وُجدت!

    لذا، لا يمكن لأي مجتمع أن ينتصر بالفعل في هذه المعركة ما لم يُعد للعقل كرامته، ليس بوصفه أداة تقنية باردة، وإنما بوصفه فضيلةً أخلاقية تحرر الإنسان من العبودية الفكرية. ولن يتحقق ذلك ما دام التعليم قائمًا على التلقين وليس على الدهشة، وعلى الطاعة وليس على السؤال؛ وما دام الإعلام مصنعًا للضجيج والانفعال بدل أن يكون فضاءً للوعي والنقد؛ وما دامت المنظومة الصحية تنظر إلى الإنسان بوصفه ملفًا بيولوجيًا أو بطاقة دفع، وليس ككائنٍ هش يحتاج إلى الرعاية بقدر حاجته إلى العلاج.

    ثم إن أكثر ما يبعث على التأمل أن البشرية ذاتها لم تحسم، حتى اليوم، تعريفًا نهائيًا للمرض أو للعلاج؛ فالمرض ليس حقيقةً بيولوجية صافية كما يتم تصوره أحيانًا، بل هو مفهومٌ تتداخل فيه الفلسفة والثقافة والسياسة والاقتصاد بقدر ما يتداخل فيه الطب. وما يُعد علاجًا في زمنٍ قد يُدان في زمن آخر بوصفه خطأً فادحًا أو عنفًا مُقنَّعًا باسم العلم. ولهذا، فإن الذين قضوا تحت سلطة يقينٍ طبي أو علمي لم يكونوا، عبر التاريخ، أقل عددًا ممن قضوا أسرى الخرافة أو الأنماط البديلة؛ لأن الإنسان، في الحالتين، يبقى عرضةً لذلك الميل القديم إلى تحويل المعارف المؤقتة إلى حقائق مطلقة!

    من هنا، يصبح من السذاجة الأخلاقية أن نُحمل الضحية وحدها مسؤولية التصديق؛ فقبل أن نلوم من انقاد إلى الوهم، ينبغي أن نسأل عمَّن صنع المناخ الذي جعل التصديق ضرورةً نفسية واجتماعية تتجاوز مجرد كونه خطأً فرديًا ... الفساد لا يسرق المال وحده؛ إنه يسرق البصيرة أيضًا، ويفسد قدرة الإنسان على التمييز، ويُحول وعيه إلى أرضٍ مُنهكة يسهل أن تنبت فيها الأكاذيب. وحين تُسرق البصيرة، لا يعود التضليل حدثًا عابرًا، بل يصير قدرًا يوميًا، تتكاثر فيه الأوهام كما تتكاثر الفطريات في العتمة!

الاثنين، 4 مايو 2026

حين تقتلنا التفاهات!

مايو 04, 2026

حين تقتلنا التفاهات!

     على تخوم حدثٍ يبدو أصغر من أن يُروى، وأخف من أن يُؤخذ على محمل المأساة، تنفتح هذه الحكاية كمرآةٍ دقيقة لروحٍ بشريةٍ أنهكها الخوف أكثر مما أنهكها الذنب. هنا، لا يحتاج السقوط إلى خطيئة كبرى، ولا تتطلب النهاية أكثر من لحظةٍ عابرة يسيء المرء قراءتها. إننا أمام عالمٍ هش، حيث يمكن لعطسةٍ بلا قصد، أو ما شابه، أن تُوقظ في النفس رعبًا كامنًا، وأن تكشف – بقسوةٍ صامتة – عن هشاشة الإنسان حين يقف في ظل السلطة، أيًا كانت طبيعتها! هذه هي قصة «موت موظف حكومي» The Death of a Government Clerk، للكاتب الروسي «أنطون تشيخوف» Anton Chekhov، التي نُشرت لأول مرة سنة 1883.

    نصٌ قصير في حجمه، عميقٌ في أثره، يلتقط لحظةً إنسانيةً تبدو عابرة، لكنه يُحملها ثقل الوجود كله؛ حيث يتحول القلق من مجرد شعورٍ إلى مصير.

***

    في مساءٍ عابر، لا يحمل في طياته وعدًا ولا يشي بإمكانية، جلس رجلٌ ضئيل الحضور في مقعده داخل أحد المسارح؛ رجلٌ لا يلتفت إليه أحد، ولا يشتهي هو أن يلتفت إليه أحد. كان اسمه «تشيرفياكوف»، اسمٌ عادي كأن الحياة منحته له بلا اهتمام يُذكر؛ «موظف»، وكأن هذه الكلمة وحدها تكفي لتكون خلاصة وجوده، وتعريفه الأخير.

    لم يكن شقيًّا بما يكفي ليتمرد، ولا سعيدًا بما يكفي ليحتفل، بل كان كائنًا «ملائمًا»، منسجمًا على نحوٍ تام مع عالمٍ كعالمنا، لا يطلب من الإنسان أكثر من أن يؤدي دوره بصمت، ثم ينصرف! ثم وقع الحدث … ذلك الحدث الذي لا يُحسب من الأحداث: عطسة ... انقباضٌ جسديٌ عابرٌ، بلا قصد، بلا معنى، بلا تاريخ. غير أنها – بانزلاقٍ ضئيل – استقرت على رأس جنرالٍ يجلس أمامه. وهنا، في هذا الهامش من الخطأ، وُلدت المأساة!

    اعتذر، ببساطة الإنسان الذي ما زال يؤمن بأن الاعتذار يعيد التوازن إلى الأشياء. لكن الاعتذار، في هذا العالم، لم يكن كافيًا. نظر إليه الجنرال ببرودٍ مقتضب، نطق بعبارةٍ قصيرة، ثم أعاد وجهه إلى الأمام، كما لو أن شيئًا لم يكن. ظاهريًا، انتهى كل شيء، أما في داخله، فقد ابتدأ كل شيء! عاد إلى منزله، لكنه لم يعد حقًا. ظل شيءٌ ما معلقًا في وعيه، كشوكةٍ لا يراها لكنها تُؤلمه. أخذت الأسئلة تتكاثر، لا بوصفها بحثًا عن إجابة، بل كنوعٍ من التآكل البطيء: ماذا لو غضب؟ ماذا لو تذكر؟ ماذا لو …؟ أسئلة صغيرة، لكنها حين تجد عقلًا مشدودًا بالخوف، تتسع حتى تبتلع مساحته كلها.

    في اليوم التالي، عاد ليعتذر. ثم عاد مرة أخرى، ثم ثالثة، فرابعة. لم يعد الاعتذار فعلاً أخلاقيًا، بل تحول إلى طقسٍ قَلِق، محاولة يائسة لإعادة ترميم صورة العالم، ولطمأنة السُلطة بأنها لم تُمس، ولو بنَفَسٍ عابر.   لكن الجنرال – ككل سُلطة – لم يكن يفكر فيه أصلاً. لم يُزعجه الفعل، بل إلحاح الوجود نفسه. وحين ضاق به، أطلق جملةً حادّة، قصيرة، كحد السكين: «اتركني وشأني»! جملةٌ عابرة في ظاهرها، لكنها في نفسٍ مثقلة بالهشاشة، كانت أشبه بحكمٍ نهائي، لا يقبل الاستئناف!

    عاد الرجل إلى منزله ... لم يحتج، لم يصرخ، لم يسع حتى إلى الفهم. استلقى … كما لو أنه وجد في النهاية شكله الأخير ... ثم مات!

***

    ما الذي أودى بهذا الرجل إلى نهايته؟

    لم يكن عطبًا في الجسد، ولا خصاصةً في القوت، ولا حتى صفعةً صريحة من الإهانة. كان شيئًا أشد خفاءً، وأعمق تغلغلاً: الصورة التي صاغ بها نفسه داخل العالم. لم يعش ذاته بوصفها مركزًا، بل انعكاسًا؛ كان يرى وجوده كما يراه الناس، لا كما يكون؛ عينه مرآةٌ لعيون الآخرين، وخاصة أولئك الذين يعلونه مكانةً وسُلطة. لم يمتلك «أنا» تقف بذاتها، بل ظل معلقًا في نسخةٍ مرتجفة، تنتظر دومًا أن تتم المصادقة عليها من الخارج، ولا تثبت إلا إذا أقرها الآخرون وحين خُيل إليه – ولو على سبيل الوهم – أن هذا الإقرار قد تلاشى، انهار البناء كله، كما ينهار ظلٌّ إذا انطفأ الضوء!

    الخوف هنا لا يظهر كاستجابةٍ طارئة، بل كجوهرٍ وجودي. ليس خوفًا من عقوبةٍ تقع، بل من احتمال أن يكون، في نظر السُلطة، غير لائق. وهنا تكمن حداثة الحكاية ومرارتها: كم من إنسانٍ اليوم لا يحيا وفق ما يؤمن، بل وفق ما يُنتظر منه أن يكون؟ كم من قرارٍ يتخذه المرء، لا لأن الرغبة تدعو إليه، بل لأن الرفض يلوح في الأفق كتهديدٍ صامت؟

    السلطة، في هذا المشهد، لا تتجلى كوحشٍ صارخ، بل كفراغٍ بارد. الجنرال ليس شريرًا؛ وهذه هي المفارقة المقلقة. إنه ببساطة … لا يرى هذا الرجل! لم يسحقه عن قصد، بل لأن وجوده لم يكن، في وعيه، ذا شأن. وهكذا، يتبدى وجهٌ آخر للقمع ... القمع ليس دائمًا فعل قسوة، بل أحيانًا مجرد غيابٍ للاكتراث! ليست الحكاية عن عطسةٍ عابرة، ولا عن جنرالٍ عابر، ولا حتى عن موظفٍ ضئيل. إنها عن إنسانٍ اختزل نفسه حتى صار وجوده معلقًا بإيماءةٍ من غيره؛ وحين اضطربت تلك الإيماءة، لم يجد أرضًا يسقط عليها!

    غير أن هذا الإنسان – وأعني به نحن – لم يغادر العالم. لقد غيَّر ملامحه فقط؛ لم يعد يجلس في مسرحٍ قديم، بل يتنقل بين فضاءاتٍ أشد لمعانًا وأشد خفاءً. لم تعد «العطسة» حادثةً جسدية، بل صارت كلمةً غير محسوبة، تعليقًا عابرًا في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، نظرةً لم تُفهم، أو صمتًا في موضعٍ كان يُفترض فيه الكلام. تفاصيل ضئيلة، في ظاهرها، لكنها تقع في نفسٍ تعلمت أن ترى ذاتها من خلال الآخرين!

    في عالم اليوم، لم تعد السلطة وجهًا محددًا؛ لم تعد جنرالاً يجلس في الصف الأمامي، بل تحولت إلى فضاءٍ كامل: نظرات الزملاء، تقييم المدير أو المسؤول الأعلى، تعليقات الغرباء، وأحيانًا … أرقامٌ من علامات الإعجاب والحب والمشاركة تتلألأ على شاشة!

    كل ذلك يصير مرآة، لا تعكس من نكون، بل ما ينبغي أن نكونه ولو كذبًا! وهكذا يتدرب الإنسان على الاعتذار قبل أن يخطئ، وعلى أن يتجمل ولو بمساحيق رخيصة أو مسروقة أمام الناس. يُهذب كلماته، يقيس حضوره بعددهم ونظراتهم وكاميرات هواتفهم، يقتطع من ذاته أجزاءً صغيرة، في كل مرة، حتى يغدو «ملائمًا» على خلاف الحقيقة؛ ملائمًا لذوقٍ لا يعرفه، ولمعايير لم يخترها، لا يمكن إرضاؤها بشكل كامل!

    الخوف هنا لم يعد صرخة، بل همسًا لا ينقطع: هل قلت ما لا ينبغي؟ هل بدوت على غير ما يُنتظر؟ هل كان عليَّ أن أكون أفضل؟ أسئلة بريئة في ظاهرها، لكنها، مع التكرار، تتحول إلى هوية، فيصير الإنسان كائنًا لا يعيش ليكون، بل ليتجنب أن يُرفض. 

    المفارقة – كما لمحها «أنطون تشيخوف» منذ زمن – أن «الجنرال» غالبًا ليس منشغلاً بنا أصلاً. العالم يمضي، والآخرون ينسون، والوقائع تتلاشى. لكن داخلنا، تستمر الحادثة. نستعيدها، نضخمها، ونعيد تشكيل ذواتنا حولها، كما لو أنها كانت مركز الوجود. 

    ليست المعضلة في أن الإنسان يتأثر، بل في أنه يفتقر إلى موضعٍ يعود إليه حين يتأثر؛ نقطةٍ داخلية يقول منها: «هذا أنا، سواء اعترف بي الآخرون أم لم يعترفوا ... وسواء رأوني كما يريدون ويتوقعون أم لم يروني»! وحين تغيب هذه النقطة، يصبح كل احتكاك بالعالم تهديدًا، وكل نظرة احتمال سقوط.

    على هذا النحو، لا يحدث الموت دفعةً واحدة، بل يتسلل ببطء: تنازلٌ عن رأي، ثم عن آخر، ثم عن نبرة الصوت، ثم – دون أن يُلحظ – عن الذات. حتى إذا التفت الإنسان إلى داخله يومًا، لم يجد سوى صدى لما أراده الآخرون له. لم تعد الحكاية تنتهي بالموت، وهذا ما يجعلها أشد قسوة، إذ يمكن للإنسان أن يستمر طويلاً – يعمل، ينجح، يربح، يبتسم – بينما في أعماقه،شيءٌ جوهري لم يُتح له أن يحيا! 

    لعل السؤال الذي يظل معلقًا ليس: كيف نتخلص من الخوف؟ بل: كيف نكف عن رهن وجودنا لنظرةٍ لا تثبت؟ كيف نستعيد تلك المسافة الدقيقة بين ما نحن عليه، وما يُراد لنا أن نكونه؟ مسافة لا تعزلنا عن العالم،

بل تمنحنا القدرة على أن نبقى أنفسنا ... حتى حين يعجز العالم عن أن يرانا!

الأربعاء، 29 أبريل 2026

مفارقة الحرية والمعنى في رهان تشيخوف

أبريل 29, 2026

رجل يقرأ في غرفة فقيرة مظلمة يقابل رجلًا ثريًا يجلس في قاعة فاخرة، وبينهما باب مفتوح ومفتاح يرمز لمفارقة الحرية والمعنى.

    تُعد «الرهان» The Bet (1889) واحدة من أبرز القصص القصيرة التي كتبها «أنطون تشيخوف» Anton Chekhov (1860 – 1904)، إذ ينطلق فيها من واقعةٍ بسيطة في ظاهرها: رهانٍ بين مصرفي ثري ومحامٍ شاب؛ ليحولها تدريجيًا إلى مساحةٍ فكرية مفتوحة على تساؤلات الوجود والحرية والمعنى. 

    في البداية، يبدو الحوار الأخلاقي بين الطرفين نقاشًا نظريًا حول قيمة الحياة والموت، وحدود العقوبة والعزلة، لكن «تشيخوف» لا يلبث أن يدفع الفكرة إلى أقصاها، حيث تتحول التجربة إلى اختبارٍ إنساني قاسٍ يكشف هشاشة اليقينيات التي يتكئ عليها الإنسان في فهمه للعالم. ومن خلال العزلة الطويلة التي يختارها المحامي طوعًا، تتكشف مفارقة جوهرية: فالمقارنة لا تعود بين الغنى والفقر، وإنما بين شكلين من أشكال الحرية؛ حريةٍ مادية تفيض بالحركة لكنها قد تُخفي قيدًا داخليًا، وحريةٍ داخلية تولد من الانسحاب والتأمل، ولو في عزلةٍ خانقة. وهكذا يضع «تشيخوف» قارئه أمام توترٍ وجودي حاد: قد يكون الإنسان أكثر سجنًا وهو منغمسٌ في قلب العالم، وأكثر انعتاقًا حين يُجبر على الانفصال عنه، فيكتشف أن القيود الحقيقية ليست دائمًا خارجية، بل قد تكون في طريقة عيشه للعالم ذاته! هيا نقترب من القصة بقراءةٍ فلسفية.

***

    في صمت قاعةٍ فاخرةٍ يغشاها ضوءٌ خافت، كانت الكلمات تتصادم كما لو كانت في ساحة مناظرة. خارج الجدران، كان العالم يمضي بلا اكتراث؛ أما داخلها فقد كان الزمن ذاته يبدو مترددًا، كأنه يصغي لما سينطق به الحضور قبل أن يسمح له بالحدوث. في هذه القاعة، حيث كانت الرؤى والحُجج تحل محل الوقائع والحقائق، وتتحول الآراء إلى امتدادات للذات، اجتمع نفرٌ من الرجال حول مائدة عامرة بالجدل حول معنى الحياة دون النظر إلى تفاصيلها. أحدهم كان مصرفيًا ثريًا، يتكئ على يقينٍ ظنه بالمال صلبًا لا ينكسر، فقال واثقًا: «الموت بالإعدام رحمةٌ قاطعة؛ لحظة واحدة تُغلق كل أبواب الألم. أما السجن المؤبد فليس إلا عبورًا بطيئًا في نفقٍ لا ينتهي، تذوي فيه الروح قبل الجسد، وتُستهلك فيه الحياة قطرةً بعد قطرة». 

    ابتسم آخر، وكان مُحاميًا شابًا، ابتسامةً لا تزال تحتفظ ببراءة لم تمسسها التجربة بعد، وقال كمن يتشبث بفكرةٍ لكيلا يسقط في فراغها: «بل الحياة، مهما ضاقت، تظل أوسع من العدم. أن تبقى شاهدًا على وجودك، حتى لو كان ظلاً باهتًا، أهون من أن يتم محوك تمامًا من سجل الوجود»!

    وحين يعجز الإنسان عن حسم معنى العالم بالكلمات، ويضيق به الفكر عن إقناع الفكر الآخر، ينزلق الجدل من مرتبة الفكرة إلى اختبار الوجود ذاته. وهكذا، وُلد الرهان بين المصرفي والمحامي. ولم يكن اتفاقًا عابرًا بينهما، بل كان اختزالاً مأساويًا لفكرة الإنسان عن الحياة والموت. وافق الاثنان على رهانٍ قيمته مليونا روبل يدفعها المصرفي للمحامي إذا استطاع أن يَعيش مُنعزلاً في حبس انفرادي لمدة خمسة عشر عامًا! وبدأ تنفيذ الرهان!

    خمسة عشر عامًا امتدت كأفقٍ مغلق، بين جدران عزلةٍ لا تُشبه السجن بقدر ما تُشبه انطفاء العالم من حول الرجل. كان هناك وعدٌ بالثروة، يتدلى في بداية التجربة كخيطٍ واهن بين الخلاص والوهم، كأن الحياة ذاتها تُراهن على نفسها من خلاله. تم إغلاق الأبواب، لكن الإغلاق لم يكن على الجسد وحده، بل على العالم كله كما نعيشه: ضجيجه، عاداته، وبديهية حضوره. ولم تكن الوحدة في الأيام الأولى هادئة كما قد نتخيل، بل كانت صاخبة على نحوٍ غريب؛ صخب الداخل حين يتم إجباره على مواجهة نفسه. كان الزمن يرفض أن يمضي، ويتمدد بدلاً من ذلك ككتلةٍ صماء، أو كجدارٍ لا نهاية له ولا منفذ.

    تشبث السجين بالموسيقى، كأنها خيطٌ أخير يصله بما تبقى من الخارج، لكن ذلك الخيط سرعان ما ارتخى، ثم انقطع، كأنه أدرك متأخرًا أن ما كان يسمعه ليس إلا صدى عالمٍ لم يعد يخصه. ثم، ببطءٍ يُشبه الاستسلام العميق، تحولت العزلة من خصمٍ يهاجمه إلى مرآةٍ تعكسه. بدأ يقرأ. لكن القراءة هنا لم تكن فعلاً معرفيًا، بل كانت فعل التهامٍ داخلي، كأن النصوص هواءٌ متبقٍ في عالمٍ يغرق فيه. لم يكن يطالع الكتب، بل كان يبتلعها كما يبتلع الغريق آخر ما تبقى من الحياة: روايات، لغات، فلسفات، أديان ... لم تعد المعرفة تراكمًا، بل انفتاحًا متواصلاً على احتمالات الوجود. كل فكرة كانت بابًا، وكل باب كان خلفه عالمٌ قائمٌ بذاته، وكل صفحة كانت محاولة خجولة للاقتراب من ذلك السر الثقيل الذي نسميه «الوجود». ومع تراكم السنوات، بدأ شيء ما يتلاشى بهدوء. لم يعد الرجل هو نفسه؛ لم يعد ذلك الشاب الذي دخل الرهان بثقة الحياة في بدايتها، بل أصبح كائنًا آخر، لا يعيش داخل العالم، بل على تخومه؛ كأنه لم يعد جزءًا من المشهد، بل شاهدًا عليه من مسافةٍ لا يمكن العودة منها!

    في الجهة الأخرى، كان المصرفي يعيش نوعًا مختلفًا من السجن. لم يكن لسجنه جدرانًا تُرى، بل كان شيئًا أشد خفاءً وأشد إحكامًا؛ سجنٌ يُحاك من الداخل، اسمه الخوف! لم يتم غلق أبواب حصينة عليه، لكن ما التف حوله كان شيئًا آخر أشد بأسًا: كان قلقًا يتسع كلما حاول أن يطمئن، وهاجسًا يتغذى على كل محاولة للهروب منه! ثروته التي بدت يومًا بلا نهاية بدأت تتآكل ... والرهان، ذلك المزاح القديم، تحول إلى شبح: ماذا لو خسر الرهان؟ سؤال بسيط، لكنه كان كفيلاً بأن يسلب النوم من عينيه. ومع كل سنة تمر، كان يدرك أن خسارته لن تكون مالية فقط، وإنما وجودية: كيف لرجلٍ عاش عمره يراكم المال أن يرى نفسه فجأة فارغ اليدين؟ وفي لحظةٍ مظلمة، التقت فيها الحاجة بالخوف، وُلدت الفكرة الأكثر بدائية: أن يقتل الرجل!

    قبل انقضاء الزمن بلحظات، حين يصبح الانتظار أثقل من الحدث نفسه، دفع المصرفي الباب ودخل. لم يكن دخوله مجرد انتقال من مكانٍ إلى آخر، بل كان اقترابًا من مصيرٍ كان يؤجله في ذهنه، كأن الحقيقة لا تقع إلا إذا نظرنا إليها مباشرة. كان يتوقع أن يرى سجينًا كما ترسمه المخيلة: جسدًا متهالكًا، روحًا منكسرة، إنسانًا يتشبث بالحياة كما يتشبث الغريق بآخر نفس. لكن ما وجده لم يكن ذلك؛ كان هناك جسدٌ نحيل، يكاد يتخفف من مادته، كأن الوجود نفسه صار عبئًا عليه، وعينان لا تنتميان إلى هذا العالم كما يعرفه؛ عينان لا تطلبان، لا ترجوان، لا تنتظران. وكانت بينهما مسافة، لكنها لم تكن مسافة المكان، وإنما مسافة المعرفة حين تتجاوز ما يحتمله الآخر. اقترب… فوجد رسالة ... قرأ ... ومع كل سطر، لم يكن المعنى يتكشف فحسب،

بل كان شيءٌ داخله يتداعى، كأن الكلمات لا تُقال له، بل تُنزَع منه: «لقد عشت خمسة عشر عامًا لأفهم ما تعيشون لأجله، فوجدته وهمًا؛ المال، اللذة، الحكمة ... إلخ، كلها زائلة، كلها خدعة؛ أنتم تتشبثون بالسراب، وتسمونه حياة، أما أنا… فقد رأيت»! لم تكن هذه إدانة، بل كانت إعلان انفصال. ثم جاءت العبارة الأخيرة، قصيرة، حاسمة، خالية من أي انفعال: «أرفض الجائزة».

    وحين انتهى كل شيء، لم يكن هناك منتصر؛ المحامي لم يخسر، لأنه لم يعد يلعب؛ والمصرفي لم يربح، لأنه لم يعد كما كان. لقد خرج أحدهما من العالم لأنه لم يعد يراه جديرًا، أما الآخر فقد بقي فيه، لكن بشيءٍ ناقص، بفراغٍ لم يكن يعرف أنه موجود إلا حين كُشف له.

***

     أيهما كان السجين حقًّا؟

    ذاك الذي أُطبقت عليه الأبواب، فانفتحت في داخله آفاقٌ لا يمكن رؤيتها ولا قياسها؟ أم ذاك الذي ظل يترنم بالحرية، لكنه ظل أسير خوفٍ لا يُرى له قيد؟ 

    لعل الحكاية، في عمقها، لم تكن مفاضلةً بين رجلين، بل كشفًا لوهمٍ قديمٍ يتخفى في يقيننا: أن الامتلاك يمنح وجودنا معنى، وأن الفقد يُجرده منه. غير أن الحقيقة – كما لو أنها انبثقت من صمتٍ طويلٍ لروحٍ أنهكها الإدراك – تُعلن أن المعنى، إن كان له من وجود، لا نناله بالتملك، وأن الحرية ليست في اتساع المجال الخارجي، بل في القدرة على الانفلات من سطوته!

    لم يعرف الإنسان المعاصر سجنًا مغلق الأبواب كما عرفه بطل الحكاية، ولم يُحكم عليه بقضبانٍ مادية تحول بينه وبين العالم، ومع ذلك لم يكن السجن يومًا أوسع ولا أكثر خفاءً مما هو عليه الآن. الإنسان المعاصر يمضي في الطرقات، ويعبر المدن، ويطل على العالم من شاشاتٍ لا تنتهي، كأنه يفتح نوافذه كلها دفعةً واحدة؛ غير أن ما يطوقه اليوم أعمق من الجدران وأشد نفاذًا من الحديد: فيضٌ لا ينقطع من الصور، والنداءات، والمقارنات، والرغبات. كأن العالم لم يعد موطنًا للعيش، بل تيارًا جارفا يُعيد تشكيل الوعي دون استئذان. لم تعد العزلة هي السجن، بل صار الامتلاء ذاته هو القيد؛ قيدٌ لا نراه، لكنه يُقيم في داخلنا بإحكامٍ أشد من كل بابٍ موصد!

    كان ذلك الرجل يقرأ ليحيا، كأن القراءة عنده فعل نجاةٍ من ضيق العالم إلى فسحته الداخلية. أما نحن، فنقرأ لنؤجل مواجهة السؤال الأعمق: لماذا لم نفهم بعد؟ تمر المعرفة أمامنا كقطارٍ مسرعٍ لا ينتظر أحدًا؛ نكتفي بأن نُلوح له من الرصيف، نلتقط من نوافذه أسماءً وأشكالاً، ثم نعود إلى أماكننا كما لو أن شيئًا لم يحدث. لا نصعد، لأن الصعود يقتضي تحولاً لا نريده.

    تتكدس الأفكار في أذهاننا كما يتكدس الأثاث في غرفٍ مزدحمة، لكن الداخل يظل على حاله: فراغٌ ملتبس، سؤالٌ مُعلَّق، وانتظارٌ صامت للحظة صدقٍ لا تجد طريقها إلينا. كأننا حين تتهيأ المعرفة لتكون مرآة لنا، نرتاب من صورتنا فيها، فنُبقيها سطحًا مصقولاً لا يعكس إلا اللمعان، دون أن يجرؤ على كشف العمق! وفي قلب هذا الضجيج المتكاثر، يقف سؤالٌ بسيط، شديد البساطة حتى نكاد ننساه أو نتجاهله: لماذا؟ ليس سؤال الغاية المباشرة، ولا سؤال الوسيلة، بل ذلك السؤال الذي يتخفى خلف الحركة كلها: لماذا نركض بهذا الإصرار الذي لا يهدأ، وكأن الوصول – أيًّا كان شكله – قادرٌ وحده على تبرير الطريق؟

    كان المصرفي في الحكاية يظن أن المال هو خاتمة المعنى، وأن تراكمه يكفي ليمنح الحياة تفسيرها النهائي، غير أنه لم يكتشف إلا متأخرًا أن ما جمعه لم يكن إلا شكلاً مؤجلاً من أشكال الخوف، مُعاد صياغته في هيئة طمأنينة. أما نحن، فقد ورثنا الفكرة ذاتها، لكن في قوالب أكثر أناقة ولمعانًا؛ نقيس أعمارنا بأرقامٍ تتبدل، ونطلب من هذه الأرقام ثباتًا لا تملكه بطبيعتها؛ نضيف إلى حياتنا طبقاتٍ من الامتلاك، لا بدافع الحاجة، بل لأن التوقف بات أشبه بالانكشاف، والانكشاف صار مخيفًا أكثر من الفقد؛ ونواصل التراكم، لا لنمتلئ، بل لنهرب من لحظة سكونٍ قد تفضح السؤال الذي لم نجرؤ يومًا على طرحه!

    لم يعد الهروب فعلاً دراميًا يمكن أن نستدعيه عند المنعطفات الحادة، ولا بابًا نفتحه على عجل في ليلٍ متوتر. لقد تسرب إلى التفاصيل الصغيرة حتى صار نمطًا خفيًّا للعيش: تمريرٌ لا ينتهي، انشغالٌ بلا ضرورة، وحديثٌ يزدحم بالكلمات ويُفرغ المعنى في الوقت ذاته! نحن لا نهرب من العالم، بل من تلك اللحظة النادرة التي قد نُجبر فيها على مواجهة أنفسنا بلا وسائط، بلا ضجيجٍ يخفف حدة السؤال. ففي حضرة الصمت، لا تبقى الأقنعة صالحة للاستعمال، ولا يعود التظاهر ممكنًا، لأن الفراغ لا يُجامل! وربما هنا، في هذا التوتر الصامت، تتجدد المفارقة التي ألمح إليها «تشيخوف» دون أن تفقد شيئًا من حدتها: أن الحرية لم تكن يومًا في اتساع الخيارات، بل في القدرة على التخلي عنها؛ وأن الإنسان، كلما اتسعت يده بما تملك، ازداد احتياجه إلى شجاعةٍ أعمق، ليعترف في هدوءٍ قاسٍ بأن ما بين يديه قد لا يشبهه، وأن الامتلاك لا يضمن الانتماء، ولا يهب المعنى!

    لا تدعونا الحكاية إلى زهدٍ متعجل، ولا إلى انسحابٍ من العالم، ولا إلى نظرةٍ متعالية تحتقر ما فيه من رغباتٍ وضجيج. إنها لا تعظ، ولا تُصدر حكمًا، بل تهمس – كما لو كانت فكرةً تتردد في حافة الوعي – أن التوقف اليسير ليس ترفًا، بل ضرورة لرؤية ما تعذرت رؤيته وأنت منغمسٌ في الجريان. وأننا إن لم تمنح أنفسنا تلك المسافة الصغيرة التي نرى منها حياتنا كأنها تخص غيرنا، فقد نمضي بها كاملة، دقيقةً بعد دقيقة، دون أن نلامسها حقًّا؛ كأننا نعيشها من خلف زجاجٍ شفاف، نُتقن الحركة داخله، لكننا لا نخرج إليه أبدًا. ولعل الخطر الأعمق ليس في الخسارة، ولا في التعثّر، ولا حتى في الانكسار. بل في أن نبلغ خط النهاية، مُحملين بما ظنناه نجاحًا، ثم نكتشف في لحظة متأخرة، هادئة على نحوٍ مقلق، أننا لم نسأل يومًا السؤال الذي يجعل للسباق معنى: لماذا بدأناه أصلاً؟

    عندها فقط، يخبو بريق الرهان في عيوننا … إذ يكون المعنى قد انسحب بهدوءٍ خطوةً إلى الخلف، كظلٍ لا يتم إدراكه إلا متأخرًا، تاركًا إيانا نبلغ الطريق بكامل يقيننا، ثم نكتشف أن الوصول ذاته لم يكن إلا ضياعًا متقنًا في هيئة يقين!

***

الجمعة، 24 أبريل 2026

العلم بين وهم اليقين وفوضى الشك

أبريل 24, 2026

صورة رمزية تعبر عن العلم بين وهم اليقين وفوضى الشك مع شخص يسير بين مدينة منظمة ودوامة من الأسئلة

    الانقسام المجتمعي والإعلامي الحاد هذ الأيام حول العلم، ومنهجه ونتائجه ومكانته، ليس في الحقيقة مجرد تباين بسيط بين معرفة وجهل، ولا هو مواجهة ساذجة بين نور وظلام؛ بل هو في جوهره تعبير عن توتر أنطولوجي ومعرفي أعمق، يتفاقم داخل سياق مجتمع يعاني من هشاشة ثقافية، وتراجع تعليمي، وتجريف عقلي، واغتراب حضاري ممتد. في مثل هذا المناخ المختل، حيث تتداخل آثار الإرث التاريخي مع ضغوط الواقع السياسي والاقتصادي، ينقسم الوعي الجمعي ليتبنى مواقف حدية، لا بوصفها خيارات نقدية واعية، بل كاستجابات دفاعية لواقع مأزوم.

    لقد اتخذ الإنسان من العلم أداة لفهم العالم وتفكيك غموضه، غير أن هذا المسار لم يسلم من التشويه في بيئة مضطربة كهذه؛ فإذا بالعلم، في نظر فريق، يتحول إلى سلطة مطلقة تُختزل فيها الحقيقة، ويُطلب منها ما يتجاوز حدودها، بينما يُختزل، في نظر فريق آخر، إلى مجرد خطاب سُلطوي متحيز، أو قناع أيديولوجي يُخفي مصالحه خلف ادعاء الموضوعية. وهكذا، لا يعكس الانقسام موقفًا معرفيًا ناضجًا بقدر ما يكشف عن اختلال أعمق في البنية الثقافية والوعي النقدي، حيث يُساء فهم العلم في الاتجاهين معًا: تأليهًا أو تقويضًا.

    في أحد قطبي الفكر، ينهض تصورٌ للعلم يكاد يرفعه إلى مرتبة المطلق المتعالي، فيغدو كأنه عقل كوني مكتمل، لا يخطئ ولا يحده تاريخ، قادر على أن يُفسر امتداد المجرة كما يفسر ارتجاف المعنى في أعماق الإنسان. غير أن هذا التصور المفرط للعلم لا يخلو من مفارقة عميقة: إذ يُطالب العلم فيه بما لم يزعم لنفسه يومًا، لأن بنيته ليست بناء يقينٍ مغلق، بل حركة دائمة من الفحص وإعادة الفحص، لا تتقدم عبر التثبيت، بل عبر الهدم الخلاق والتجاوز المستمر. وهكذا، فإن تحويله إلى عقيدة نهائية ليس إلا نزعًا لروحه النقدية، وإسكاتًا لصوته الداخلي الذي لا يقوم إلا على قابلية السؤال.

    وفي الجهة الأخرى، يتشكل خطابٌ يذهب بالشك إلى أقصاه، فيرى في العلم مجرد بناء هش، عابر للسياقات، محكومًا بشروطه الاجتماعية والسياسية، وربما أداةً لإعادة إنتاج الهيمنة أو توظيف المصالح. وفي هذا المنظور تتلاشى الفواصل الدقيقة بين معرفةٍ صمدت عبر قرون من الاختبار والتصحيح، وبين فرضيات لم تتجاوز بعد طور الادعاء. ويغدو العالم كله مسرحًا لتكافؤٍ شامل، تتساوى فيه المعارف كما تتساوى الظنون، ويُرفع الشك من كونه أداةً نقدية إلى مرتبة الغاية النهائية. والحق أن هذا الإفراط في الهدم، إذ يبتغي فضح أوهام اليقين، ينزلق هو ذاته إلى وهمٍ موازٍ: وهمُ التسوية المطلقة بين ما لا يستوي، وإلغاءُ الفروق التي بها وحدها يقوم معنى المعرفة ذاتها.

    وإذا كان هذان الطرفان يبدوان متناقضين، فإنهما يلتقيان في نقطة خفية: كلاهما يسعى إلى الهروب من القلق المعرفي؛ الأول يهرب إلى يقينٍ مطلق، والثاني إلى شكٍ مطلق. لكن الإنسان، بوصفه كائنًا عاقلاً، لا يسكن أيًّا من هذين المطلقين، بل يعيش في المسافة بينهما؛ في تلك المنطقة الرمادية التي لا تمنح راحة اليقين ولا تتركنا في فوضى العدم. وبعبارة أخرى، ربما كان الموقف الأكثر نضجًا لا يتمثل في اختيار أحد الطرفين، بل في الإقامة الواعية داخل هذا التوتر؛ أن نثق في العلم، لا لأنه معصوم، بل لأنه أفضل أداة نملكها حتى الآن لفهم العالم، ولأنه قابل للنقد والتكذيب. وأن نشك فيه، لا لنقوضه، بل لنحافظ على حيويته، وعلى تكاملية المعرفة؛ فالعلم، في نهاية المطاف، ليس مرآة صافية تعكس الواقع كما هو، ولا قناعًا زائفًا يخفيه، بل هو ممارسة إنسانية – تاريخية، متغيرة، ومفتوحة على المراجعة الدائمة.

    لذلك، لا ينبغي أن نُعيد طرح السؤال القديم بصيغته الحاسمة: هل نكون مع العلم أو ضده؟ لأن هذه الصيغة ذاتها تفترض إمكان الوقوف خارجه، كحَكَمٍ أو خصمٍ أو بديل. بل الأجدر أن تحل محلها صيغة أعمق وأهدأ توترًا: كيف نُقيم علاقةً مع العلم، لا تُنزله منزلة الإله فيُعبد، ولا تُسقطه من مقام المعرفة فيُرفض؟

فالمسألة ليست في اختيار موقفٍ نهائي منه، بل في تعلم طريقة العيش معه داخل حدوده المتحركة: حدودٌ لا تُفهم كجدرانٍ مغلقة، بل كآفاقٍ تتبدل مع اتساع التجربة الإنسانية. إن الخطر لا يكمن في كون العلم محدودًا، فكل معرفة بشرية كذلك، بل في الطريقة التي نُسقط بها على هذه الحدود تصوراتٍ نهائية: إما أن نجعلها نهايةً لكل سؤال، أو نستخدمها ذريعةً لرفض كل جواب.

    وباختصار، علاقتنا بالعلم ليست موقفًا نقوم بحسمه، بل هي علاقة توترٌ؛ حضورٌ نقديٌ يوازن بين الثقة بوصفها اعترافًا بفعاليته، والشك بوصفه ضمانًا لعدم تحوله إلى يقينٍ مغلق؛ ففي هذا التوازن وحده يبقى العلم حيًّا، ويبقى العقل مفتوحًا على إمكان الفهم دون أن يقع في أسر القداسة أو العدم.