-->

الأربعاء، 28 يناير 2026

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقتان الثالثة والرابعة: (داروين ووالاس & هيدجر وهوسرل & نبتشه وشوبنهور)

يناير 28, 2026

لوحة تجمع داروين، هيدجر، نيتشه، وعلماء آخرين في مكتبة تاريخية، تعبر عن صراعات الأفكار والسرقات العلمية والفلسفية

ثالثًا: داروين ووالاس: حين تبتلع الفكرة أحد أبنائها

    في تاريخ الفكر الإنساني، لا تُرتكب المظالم دائمًا بيدٍ غليظة، ولا تُقترف السرقات تحت ضوء الفضيحة؛ كثيرًا ما يتشكَّل الظلم في صمتٍ مُهذَّب ومهيب، ويُمارس بأختامٍ رسمية، ويُغلَّف بخطابٍ عقلانيٍ يزعم النزاهة وحُسن النية. هناك، حيث تتوارى النوايا الشريرة الصريحة، ويحل محلها منطق الإجراء والسلطة، تُرتكب أفدح الانحرافات، لا لأنها صادمة، بل لأنها تبدو طبيعية، بل ومبرَّرة.

    من بين أكثر هذه الوقائع دلالة، ما انكشف لاحقًا في قصة نشوء نظرية التطور؛ تلك اللحظة الدقيقة التي تلامست فيها العبقرية مع المصادفة، وتداخل فيها الإبداع الخالص مع حسابات النفوذ، فاختلط الإنصاف بما يتيحه الموقع، وليس بما يستوجبه الحق.

    لم يكن عالم الطبيعة والأحياء والمستكشف والجغرافي والأنثروبولوجي البريطاني «ألفرد رسل والاس» Alfred Russel Wallace (1823 – 1913) ظلاً لأحد، ولا تلميذًا يُردد ما قيل قبله، ولا ناسخًا لفكرة سبقت إلى التداول؛ بل كان عقلاً مكتمل الاستقلال، شق طريقه وحيدًا في قلب الغابات الاستوائية، حيث لا أكاديميات ولا منابر، حتى بلغ – عبر التأمل والتجربة – إلى الجوهر ذاته الذي كان ابن موطنه «تشارلز داروين» Charles Darwin (1809 – 1882) يعمل على بلورته في عزلةٍ أخرى، أقل قسوةً وأكثر اتصالاً بالمؤسسة العلمية: فكرة الانتخاب الطبيعي Natural Selection. وحين خط «والاس» رسالته إلى «داروين» سنة 1858، لم يكن في ذهنه طلب اعتراف، ولا توقٌ إلى مجد، ولا رغبة في منافسة. كتب ببراءة العالم الذي يرى في الحقيقة ملكًا مشتركًا، وليس غنيمةً تُحتكر. شارك فكرته بثقةٍ كاملة في نزاهة زميله، وباطمئنان من لم يتعلم بعد أن المعرفة، متى لامست مراكز النفوذ، لا تُقاس بصفائها وحده، بل بقدرتها على الصمود داخل ميزان القوة.

    هنا، عند هذه النقطة بالذات، يبدأ التحول من تاريخ الأفكار إلى سياسة الأفكار؛ من سؤال: من فكَّر أولاً؟ إلى سؤالٍ أكثر خطورة: من يملك حق الإعلان؟ ففي هذا الانتقال الصامت، لا تُكذَّب الفكرة، ولا تُمحى، لكنها تُعاد نسبتها، ويُعاد ترتيب المشهد بحيث يبدو كل شيء عادلاً، من دون أن يكون منصفًا تمامًا.

    ما جرى بعد ذلك لا يندرج في باب السرقة الفجة، ولا يستقيم أن يُوصَف بالعدل الخالص. لقد كان، على نحو أدق، صورةً رمادية لتاريخ المعرفة حين لا تُدار بمنطق الحق وحده، بل بمنطق العرض والتمثيل؛ فقد عُرضت أفكار الرجلين معًا أمام الجمعية اللينية في لندن The Linnean Society، في إجراء بدا، ظاهريًا، منصفًا ومتوازنًا؛ غير أن التاريخ – كما اعتاد – لا يحتفظ بجميع الأصوات، بل يختار منها صوتًا واحدًا، ثم يعيد بناء الحكاية من حوله.

    في تلك الجلسة، قُرئت رسالة «ألفرد رسل والاس» التي كتبها من أرخبيل الملايو، والتي لخص فيها تصوره لآلية الانتقاء الطبيعي بوصفها القوة التي تُبقي الأصلح وتُقصي ما لا يتكيف. لم تكن الرسالة عابرة ولا غامضة؛ فقد عرض «والاس» فيها، بوضوح لافت، فكرة الصراع من أجل البقاء  Struggle for Existence، وكيف يؤدي التفاوت الطفيف بين الأفراد، عبر الزمن، إلى نشوء الأنواع الجديدة. ولم يكن ذلك حدسًا شاعريًا، بل بناءً تصوريًا متماسكًا، سبق في دقته كثيرًا من الصياغات اللاحقة. ثم أُرفقَت الرسالة ببحث «والاس» المعنون: في ميل الأصناف إلى الابتعاد اللامحدود عن النمط الأصلي On the Tendency of Varieties to Depart Indefinitely from the Original Type، وهو عنوان لا يخفى ما فيه من جرأة فلسفية، إذ يُصرح منذ سطوره الأولى بأن الثبات وهم، وأن الطبيعة لا تعرف السكون، بل التحول المستمر.

    مع ذلك، خرج «داروين» من هذا العرض المشترك بوصفه «صاحب النظرية»، لا لأن فكرته كانت أوضح، ولا لأن تصوره كان أعمق بالضرورة، بل لأنه كان الأقدر على تحويل الفكرة إلى سردية كبرى: كتاب، وحجج متراكمة، وشبكة علاقات، وموقع اجتماعي يُضفي على الفكرة سلطةً إضافية. أما «والاس»، فقد انزاح تدريجيًا إلى الهامش، لا لأن منطقه كان أضعف، بل لأن صوته كان أخفت، ولأن سيرته – حياة الترحال، والعزلة، والبعد عن المركز – لم تكن قابلة للصياغة في صورة الأسطورة التي يعشقها التاريخ. وهكذا، لم تُقص فكرة «والاس»، لكنها ذابت في ظل اسمٍ آخر. ولم يُكذَّب، لكنه لم يُوضع في ذاكرة البيولوجيا كما ينبغي. فالتاريخ، في نهاية الأمر، لا يكتب فقط ما قيل، بل يكتب – وبقسوة صامتة – من الذي امتلك حق القول العلني، ومن استطاع أن يجعل فكرته حدثًا، وليس مجرد حقيقة!

    لسنا هنا أمام لص صريح أو سارق متعمد، بل أمام مفارقة أخلاقية أعقد وأعمق: فكرة واحدة، وعبقريتان متوازيتان، لكن الذاكرة الجمعية، كالتاريخ ذاته، لا تتسع إلا لاسمٍ واحد. وكأن الزمن، مرة أخرى، لا يكافئ من يكتشف الحقيقة فحسب، بل من يمتلك القدرة على حملها على كتفيه طويلاً، وصوغها بلغة تتجاوز الموت، لتصبح قابلة للخلود.

    مأساة «ألفرد رسل والاس» لا تكمن في أن فكرته سُرقت، بل في أنها ذابت داخل إطار أكبر صاغه تاريخ المعرفة، ونُسب إلى غيره. وهنا يتجلى أحد وجوه الظلم المعرفي الأكثر خبثًا: ليس في محو الاكتشاف بحد ذاته، بل في محو من اكتشفه، وتحويل الشريك في الحقيقة إلى هامش في السرد، إلى حضور خافت يُذكر بالكاد، بينما تُرفع راية المؤلف الأكثر قدرة على صياغة السردية الكبرى. وهكذا تتكرر الحلقة، ويُعاد الدرس ذاته على امتداد تاريخ الفكر: الأفكار لا تُظلم لأنها خاطئة، بل لأنها وُلدت في الأيدي الخطأ، أو في الزمان الخطأ، أو بلا الحماية اللازمة التي يحتاجها العقل حين يخرج إلى العالم؛ فالمعرفة، وإن كانت صارمة في قوانينها، لا تزال تُحاكم في أروقة البشر، حيث تتحكّم النفوذ، والشبكات الاجتماعية، والقدرة على سرد الحكاية، أكثر مما تتحكم الحقائق المجردة.

    في هذا الضوء، يبدو التاريخ ليس مجرد سجل للأفكار، بل محكمة رمزية تختار من يُسمع ومن يُنسى، ومن يصبح أسطورة ومن يظل ظلاً. وهنا تكمن المأساة الكبرى للعلم: ليس في خطأ الفكر، ولا في فشل الاستنتاج، بل في الظرف البشري المحيط بالفكرة حين تخرج إلى العالم.

رابعًا: هيدجر وهوسرل: سرقة بلا اعتراف

    في الفلسفة، لا تكون السرقة دائمًا اقتباسًا حرفيًا أو نقلًا فجًّا للأفكار، بل قد تقع في مستوى أعمق: مستوى المنهج، وطريقة السؤال، وشكل النظر إلى الظاهرة. وهذا هو المستوى الذي يجب أن يُفهم منه الخلاف – والاتهام – بين الفيلسوف الألماني «إدموند هوسرل» Edmund Husserl (1859 – 1938) وتلميذه الأشهر «مارتن هيدجر» Martin Heidegger (1889 – 1976).

    كان «هوسرل» مؤسس «الظاهراتية» Phenomenology بوصفها منهجًا صارمًا يقوم على ثلاث ركائز أساسية: 

1. العودة إلى التجربة المباشرة كما تُعاش، لا كما تُفسَّر ميتافيزيقيًا؛

2. تعليق الأحكام المسبقة (الإبوخيه Epoche) لفحص الظواهر كما تظهر للوعي؛

3. تحليل بنية القصدية: أي أن كل وعي هو وعيٌ بشيء، وأن المعنى لا يُفهم إلا من خلال هذا التوجه القصدي.

    هذه الركائز هي ما تلقاه «هيدجر» كاملاً، حيث أخذ من هوسرل المنهج الظاهراتي بأكمله: طريقة الوصف، أسلوب التفكيك، رفض التفسيرات الخارجية، والتركيز على المعنى كما يتكشف من داخل التجربة. لم يكن كتابه الرئيس «الوجود والزمن» Being and Time (1927) ممكنًا من حيث المنهج دون هذه الأدوات الهوسرلية.

    لكن هنا يحدث التحول الحاسم: «هيدجر» لم يستخدم الظاهراتية لتحليل الوعي – كما فعل «هوسرل» – بل نقلها نقلة جذرية إلى سؤال الوجود؛ استبدل «الوجود هنا» («الدازاين» Dasein) بالوعي، واستبدل تحليل الانكشاف الوجودي للعالم بتحليل القصدية. غير أن هذا التحويل لم يكن قطيعة منهجية، بل تغييرًا في وجهة الاستخدام مع الحفاظ على الأداة ذاتها.

    المشكلة الأخلاقية لا تكمن في هذا التحويل – فالتحويل مشروع فلسفيًا – بل في ما تلاه؛ ففي «الوجود والزمن»، وهو العمل الذي دشّن به «هيدجر» شهرته الفلسفية الكبرى، غاب اسم «هوسرل» تقريبًا، فلا نجده كمحاور، أو حتى كأصلٍ منهجي. وكأن المنهج الظاهراتي ظهر فجأة بوصفه أداة هيدجرية خالصة، وليس ميراثًا فلسفيًا تلقاه وتشكل داخله.

    ما أخذه «هيدجر» إذن ليس «أفكارًا» جاهزة، بل الحق في السؤال ذاته: أخذ طريقة فتح الظاهرة، أسلوب تحليل المعنى من الداخل، ومبدأ أن الفلسفة لا تبدأ من نظريات عن العالم، بل من كيفية حضوره لنا. هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي الهيكل العميق الذي يقوم عليه «الوجود والزمن». وعندما يُمحى هذا الأصل، لا تُسرق الفكرة، بل تُسرق شرعية التأسيس. يصبح «هيدجر»، في عين القارئ، منشئ المنهج لا وارثه؛ مبتكر الأداة لا مستثمرها؛ بينما الحقيقة التاريخية تقول إن هذا البناء، مهما بلغ من الجدة، قائم على أرض مهدها «هوسرل». 

    من هنا، فإن المسألة ليست تاريخ تأثيرات، بل مسألة عدالة فلسفية؛ فالعبقرية لا تُدان لأنها تجاوزت أستاذها، بل تتم مساءلتها حين تتجاوز دون اعتراف. لأن الاعتراف لا ينتقص من الإبداع، بل يمنحه نسبه، ويمنع الفكر من أن يتحول إلى أسطورة فردية زائفة. ومرة أخرى، ما أخذه «هيدجر» من هوسرل هو المنهج، أسلوب السؤال، وبنية التحليل الظاهراتي ذاتها؛ وما أضافه هو الاتجاه الأنطولوجي واللغة الوجودية الخاصة به. أما الصمت عن هذا الأصل، فليس مسألة أسلوبية، بل موقفٌ أخلاقي ترك أثره في ذاكرة الفلسفة حتى اليوم.

خامسًا: نيتشه وشوبنهاور — التأثر الذي اعترف بنفسه

    يبدو السؤال عن سرقة الفيلسوف الألماني «نيتشه» Friedrich Nietzsche (1844 – 1900) من سلفه «آرثر شوبنهاور» Arthur Schopenhauer (1788 – 1860)، للوهلة الأولى، مشروعًا؛ فالتشابه بين «نيتشه» المبكر وأستاذه الفلسفي واضح لا يحتاج إلى عناء كبير لإثباته. إن فكرة الإرادة بوصفها جوهر العالم، والنظرة المتشائمة إلى الوجود، والشك العميق في الأخلاق السائدة: كلها عناصر تحمل بصمة «شوبنهاور» الثقيلة. غير أن التشابه، في الفلسفة، لا يعني بالضرورة الاستيلاء، كما أن التأثر لا يرقى تلقائيًا إلى السرقة. 

    الفرق الجوهري هنا يكمن في الوعي بالتأثر وفي طريقة الخروج منه. «نيتشه» لم يُخفِ يومًا إعجابه العميق بـ «شوبنهاور»، بل أعلن ذلك صراحة، وعده في مرحلة من حياته «مربيه الأكبر». لم يتسّل إلى أفكاره في صمت، ولم يمحُ اسمه من ذاكرته النصية، بل بدأ من الاعتراف، ثم انتقل إلى الصدام. وهذا الصدام هو ما يجعل العلاقة بينهما علاقة قتل رمزي للأب لا سطوًا خفيًا عليه!

    لقد أخذ «نيتشه» من «شوبنهاور» مفهوم الإرادة، لكنه قلب معناها رأسًا على عقب؛ فعند «شوبنهاور»، الإرادة عمياء، لا عقلانية، وهي مصدر الألم والعبث، وما الخلاص إلا في نفيها، في الزهد، في الانسحاب من الحياة. أما عند «نيتشه»، فالإرادة تتحول إلى إرادة قوة، لا تُنفى بل تُحتضن، لا تُكبح بل تُؤكَّد. وكبديل لأخلاق الشفقة الشوبنهاورية، يطرح« نيتشه» أخلاق الخلق والتجاوز. وكبديل للهروب من العالم، يدعو إلى قول «نعم» للحياة، حتى في أقسى وجوهها.

    هنا لا نجد تكرارًا، بل تحويلاً جذريًا؛ «نيتشه» لم يسرق فكرة أستاذه، بل دخل معها في صراع وجودي، وأعاد تشكيلها بحيث لم يعد «شوبنهاور» قادرًا على التعرف على نفسه فيها. وهذا ما يميز التلميذ الذي يريد هوية خاصة، لا مجرد موقع في ظل معلمه. ولهذا ينجو «نيتشه» من تهمة «اللص الفلسفي»؛ ليس لأنه لم يأخذ، بل لأنه أخذ واعترف، ثم تمرد علنًا. الفلسفة لا تُدين الاقتباس، بل تُدين الإخفاء. ولا تحاكم من يبدأ من غيره، بل من يدعي البدء من العدم. ومع ذلك، تبقى المسألة أوسع من «نيتشه» وحده؛ فالتاريخ الفلسفي لا يكافئ دائمًا الأكثر أمانة، بل الأكثر قدرة على تحويل الفكرة إلى حدث. كثير من الأفكار وُلدت في الهامش، ثم انتقلت إلى المركز حين وجدت من يملك الجرأة واللغة والصوت العالي. هناك، تُقدَّم كأنها قدر فكري، لا ثمرة قلق طويل وتجارب غير مرئية.

    التاريخ يميل إلى الواثقين، لا إلى المترددين؛ إلى من يروي الفكرة بوصفها مصيرًا، لا بوصفها احتمالًا هشًّا. أما الاعتراف المتأخر بفضل المنسيين، فغالبًا ما يأتي بعد فوات الأوان: يعيد الأسماء إلى الهوامش الأكاديمية، لكنه لا يعيد المجد، ولا يداوي عزلة من عاشوا وماتوا خارج الضوء. ومن هنا يظل السؤال موجعًا: كم فكرة عظيمة لم تُكتب لها الحياة لأنها لم تجد من يحملها بلا خوف؟ وكم عقل لامع اندثر لأن غيره كان أبرع في سرد القصة لا في اكتشافها؟ لعل الأفكار، في النهاية، لا تملك أصحابًا ثابتين. لعلها كائنات حرة، تبحث عمن يمنحها شكلاً، وصوتًا، وقدرًا تاريخيًا. وما نعرفه يقينًا أن تاريخ الفلسفة ليس سجلاً خالصًا للأمانة، بل هو سجل للانتصار الرمزي. لذلك، حين نقرأ أسماء العظماء، يجدر بنا أن نصغي أيضًا إلى الهمس الذي خلفهم: أصوات من رأوا أولاً، لكنهم لم يكونوا الأقوى في حكي الحكاية.

الجمعة، 23 يناير 2026

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقة الثانية: (نيوتن وليبنتز)

يناير 23, 2026

لوحة فنية تخيلية تجمع بين العالم إسحاق نيوتن والعالم جوتفريد لايبنتز في معمل قديم، يدرسان المخططات الرياضية لحساب التفاضل والتكامل وسط أدوات علمية كلاسيكية

ثانيًا: نيوتن وليبنتز (العبقرية ومنصة القضاء)

    لم ينبثق علم التفاضل والتكامل من ومضة عبقرية عابرة، ولا من لحظة إلهام خاطفة كما تميل الأساطير إلى أن تُصور نشأة الاكتشافات الكبرى، بل تشكَّل ببطءٍ وصبر داخل عقلين استثنائيين، كان كلٌّ منهما يعمل في عزلة عميقة، أشبه بعزلة الرهبان المنقطعين للتأمل، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الفكرة.

    «إسحاق نيوتن» Isaac Newton (1642 – 1727) كان شابًا منفيًّا قسرًا إلى ريف إنجلترا، بعد أن أغلقت الأوبئة أبواب الجامعات وفر الناس من المدن خوفًا من الطاعون. في ذلك الصمت الثقيل، وبين الخوف من الموت وتأمل قوانين الطبيعة، انصرف «نيوتن» إلى تساؤلات تتجاوز طقوس الزمن اليومي: كيف تتغير الأشياء؟ كيف تتحرك الأجسام؟ وكيف يمكن للعقل أن يفهم «اللاتناهي» Infinity ويمسك باللانهاية دون أن يفلت منها؟ كان يُنقب في أعماق الرياضيات كما يُنقب الإنسان عن معنى الخلاص، مدفوعًا بإحساسٍ داخلي بأن الكون يخضع لنظام صارم يمكن كشفه، شرط الصبر والانكفاء.

    وفي مكان آخر من أوروبا (ألمانيا)، بعيدًا عن تلك الحقول المعزولة، كان «جوتفريد فيلهلم ليبنتز» Gottfried Wilhelm Leibniz (1646 – 1716) يسلك طريقًا مختلفًا إلى النتيجة ذاتها. لم يكن منغلقًا على مسألة واحدة، بل كان يجوب ميادين الفكر الواسعة: الفلسفة، والمنطق، واللغة، والتاريخ، والسياسة. ومن هذا الاتساع الذهني، بدأ يصوغ أدوات رياضية جديدة، كلغة رمزية قادرة على التعبير عن التغير والحركة. كان يبتكر الرموز كما لو أنه يمنح العقل البشري أبجدية جديدة لفهم الكون، تجعل الأفكار المعقدة قابلة للرؤية والتداول.

    هكذا، وعلى الرغم من اختلاف السياقين، والمسارين، وطبائع التفكير، التقى العقلان عند الحقيقة ذاتها: البنية الرياضية التي تصف التغير المستمر. غير أن هذا اللقاء كان لقاء أفكار لا لقاء أقدار؛ فقد اجتمعا عند الاكتشاف، لكنهما افترقا عند المصير والضمير، إذ قاد الاكتشاف كلاً منهما إلى طريق مختلف في التاريخ، لا تحكمه العبقرية وحدها، بل تحكمه أيضًا ظروف النشر، والسلطة، والاعتراف!

   ربما كان «نيوتن» هو الأسبق إلى تخوم الاكتشاف، لكنه تعامل مع فكرته كما يتعامل الناس مع الكنوز النادرة: يُخفيها في أدراج العقل، بعيدًا عن الأعين، خوفًا من أن تُساء قراءتها أو تُنتزع من سياقها قبل أن تكتمل. كان يؤمن أن الفكرة التي لم تتخمر طويلاً في صمتٍ قاسٍ لا يحق لها أن تخرج إلى العالم، وأن النقد المبكر ليس نقاشًا بقدر ما هو تهديد لصورة العبقري عن نفسه. لذلك آثر العزلة، وترك اكتشافه حبيس المخطوطات، مؤجلاً لحظة المواجهة مع الآخرين.

    أما «ليبنتز»، فكان نقيضه في المزاج والرؤية. لم يرَ في الفكر ملكية خاصة، بل مشروعًا جماعيًا لا يكتمل إلا بالتداول. كان يؤمن أن الفكرة لا تولد ولادةً كاملة إلا حين تُقال، وتُكتب، وتُعرَض على عقول أخرى، فتُختبر في سجالها مع النقد والاختلاف. وحين نشر سنة 1684 مقاله «منهج جديدة لإيجاد القيم العظمى والصغرى، وكذلك المماسات، لا تعيقها الكسور ولا الكميات» Nova Methodus، والذي قدَّم فيه لأول مرة حساب التفاضل برموزه المعروفة التي ستصير لاحقًا لغة الرياضيات الحديثة، لم يكن يتخيل أنه لا يفتح باب علم جديد فحسب، بل يفتح أيضًا باب خصومة تاريخية!

    في تلك اللحظة، لم يتوقف العالم ليسأل السؤال الفلسفي الأعمق: كيف يمكن لعقلين، يعمل كلٌّ منهما بمعزل واستقلال عن الآخر، أن يصلا إلى البنية ذاتها لفهم التغير واللاتناهي؟ لم يُطرح سؤال تلاقي العقول، بل طُرح سؤال الاتهام؛ سؤال أقرب إلى الغريزة البدائية منه إلى روح المعرفة: من أخذ مِن مَن؟ مَن سبق مَن؟ من يملك الحق الحصري في الفكرة؟ هكذا هبطت العبقرية من سمائها التأملية إلى أرضٍ أكثر خشونة: قاعة محكمة علمية. دخل الاتهام متدثرًا بدثار البحث العلمي، لكنه كان مُشبعًا بروائح أخرى لا تخطئها الحاسة: قومية إنجليزية متحفزة للدفاع عن رمزها الأكبر، وغيرة فكرية غير مُعلنة، وصراع خفي على من يملك سلطة التسمية، ومن يحق له أن يُدوَّن التاريخ باسمه.

    طالب «ليبنتز» بتحقيقٍ رسمي، معتقدًا أن وضوح المسار العلمي واستقلال الاكتشاف كفيلان بحمايته. كان ما يزال يؤمن بأن العقل إذا عُرضت عليه الوقائع عارية، اختار العدل. لكنه لم يكن يُدرك بعد أن العدالة، حين تمر عبر مؤسسات السلطة، لا تظل دائمًا وفية لقواعد المنطق؛ فهي، مثل الهندسة إذا أُعيد رسمها بيدٍ غير محايدة، تُغير زواياها دون أن تعلن ذلك صراحة.

    في سنة 1712 تشكَّلت لجنة تحقيق من الجمعية الملكية البريطانية للفصل في النزاع. قد يبدو الأمر، في ظاهره، إجراءً علميًا معتادًا، لكن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الكوارث الكبرى. فقد كان رئيس الجمعية الملكية آنذاك «إسحاق نيوتن» نفسه. هكذا انقلب ميزان العدالة منذ اللحظة الأولى: الخصم جلس على مقعد القاضي، والقاضي أمسك بالقلم الذي سيكتب الرواية الرسمية.

    أما التقرير الذي صدر لإدانة «ليبنتز»، والمعروف بعنوان «تبادل الرسائل» Commercium Epistolicum، فقد تم تقديمه بوصفه وثيقة موضوعية، مكتوبة بيدٍ محايدة. غير أن الحياد هنا كان اسمًا بلا مضمون؛ إذ تشير الشهادات التاريخية إلى أن التقرير كُتب بقلم «نيوتن» مباشرة، أو على الأقل تحت إشرافه اللصيق. لم يكن «ليبنتز» حاضرًا حضور الخصم المكافئ: لم يُستدعَ كما ينبغي، لم يُمنح فرصة الدفاع الكامل عن نفسه، ولم يُتح له الاطلاع على كل الوثائق التي استُخدمت ضده. وهكذا صدر الحكم لا باسم الحقيقة المجردة، بل باسم الهيبة العلمية، وباسم السلطة التي تملك حق إعلان المنتصر: «نيوتن هو المكتشف الأول لحساب التفاضل، وليبنتز توصل إلى الاكتشاف لاحقًا، واطلع – بشكلٍ مباشر أو غير مباشر – على أفكار نيوتن»!

    كانت النتيجة قاسية وسريعة. خسر «ليبنتز» إنجلترا دفعة واحدة: سمعته، وقُرَّاءه، ومكانته في التاريخ العلمي الإنجليزي؛ قوطعت مؤلفاته، وسُحبت الثقة من اسمه، وأُغلقت أمامه المنابر التي كانت تتيح للأفكار أن تعيش. وانقسمت أوروبا انقسامًا يشبه انقسام الخرائط بعد الحروب الكبرى: إنجلترا اصطفت خلف «نيوتن»، بينما وقفت القارة الأوروبية مع «ليبنتز». والمفارقة التي لا تخلو من سخرية التاريخ أن القارة التي لم تنتصر له سياسيًا هي التي ورثت إرثه العلمي الحقيقي؛ فقد انتصرت لغته الرياضية حيث خسر هو معركته الرمزية؛ رموزه البسيطة والعميقة في آنٍ واحد (مثل dx, dy؛ أو تفاضل x، وتفاضل y) صارت النبض اليومي لكل معادلة حديثة، بينما تآكل ترميز «نيوتن» تدريجيًا، حتى لم يبقَ منه إلا أثر محفوظ في كتب التاريخ.

    وتبلغ المأساة ذروتها في مشهد جنازة «ليبنتز» سنة 1716؛ فيلسوف أوروبا، وصاحب العقل الموسوعي الذي جاب ميادين المعرفة، يُوارى الثرى في صمت شبه كامل: بلا موكب رسمي، بلا علماء، بلا أصوات وداع. تُروى القصة كما لو كانت مشهدًا رمزيًا، قيل إن المطر كان شاهد العزاء الوحيد. في الجهة الأخرى من الصورة، كان «نيوتن» يعيش ذروة مجده: رئيسًا للمؤسسات العلمية، مُكرمًا بلقبٍ ملكي، وصورةً متجذرة في الوعي العام بوصفه «أب العلم الحديث»! ولم يكن الفارق، في جوهره، فارق عمقٍ عقلي أو قيمةٍ معرفية، بل فارق موقع. فارق بين من يملك المنبر، ومن يُمسك بالختم، وبين من تُسمع أفكاره، ومن يُكتب اسمه في الهامش، مهما كان اتساع عقله.

    حين خمدت الضوضاء، وسكن غبار الخصومة، وابتعد الزمن بما يكفي ليُضعف سلطان الأسماء، صار في مقدور مؤرخي العلم أن يقولوا ما كان محرَّمًا قوله يوم كان النزاع حيًّا: لم يكن «ليبنتز» سارقًا، كما لم يكن «نيوتن» كاذبًا. لقد بلغ الاثنان، كلٌّ من طريقه، إلى الاكتشاف ذاته، كأن العقل الإنساني – حين يبلغ تخومه القصوى – يُفضي بأكثر من صوت إلى الحقيقة ذاتها.

    غير أن التاريخ لا يُصاغ دائمًا من معدن الحقيقة الخالص، بل يُسكب في قوالب تصنعها القوة، ويُلمَّع بميزان النفوذ؛ فما يُدوَّن في السجلات لا يكون، في الغالب، ما وقع كما وقع، بل ما سُمح له أن يُروى، وما وجد سندًا يحميه، وما انسجم مع موازين السلطة في زمانه. وهكذا، لم تكن قصة التفاضل والتكامل مجرد فصل في تطور الأفكار الرياضية، بل كانت امتحانًا للمعرفة حين تغادر مختبراتها الصامتة لتدخل دهاليز السياسة، واختبارًا للعبقرية حين تُعرض على محكمة لا تقيس الأفكار بعمقها، بل بأصوات من ينطق بها، وبالمنابر التي تُقال منها. ففي تلك اللحظة، لا يعود السؤال: من كان أصدق برهانًا؟ بل: من كان أعلى نفوذًا؟

    لقد كان العلم، في نتائجه، منضبطًا لا يحابي، صارمًا لا يلين؛ فالرموز واحدة، والقوانين واحدة، والحقيقة – حين تُجرَّد من أسمائها – لا تميل إلى هذا أو ذاك. لكن تاريخ العلم شأن آخر؛ إنه تاريخ بشري، والبشر لا يُكتبون دائمًا بما يعرفون، بل بما يقدرون عليه. والإنسان، كما نعلم، كثيرًا ما ينحاز إلى من يملك الصوت الأعلى، لا إلى من يحمل الفكرة الأعمق. ومن هنا، لا يبدو النزاع بين «نيوتن» و«ليبنتز» استثناءً، بل مثالًا مُكثفًا لحالٍ تتكرر: عبقريتان تتقاطعان عند الفكرة ذاتها، غير أن إحداهما تقف في ظل مؤسسة قوية، والأخرى وحيدة في فضاء أقل صخبًا. وحين اختل ميزان القوّة، اختل معه ميزان الرواية. ولعل أصدق ما قيل في خلاصة هذه القصة، ما همس به أحد مؤرخي العلم بعد أن استوت المسافة، وتساوت الأسماء أمام الزمن: لو أن «نيوتن» أخرج أفكاره إلى العلن مبكرًا، لما وُلد النزاع أصلاً؛ ولو أن «نيوتن» لم يكن بتلك القوة، لما خرج «ليبنتز» من المعركة خاسرًا؛ فبين التأخر في النشر، وفائض النفوذ، تشكل فصلٌ من تاريخ العلم لا يُعلمنا الحساب وحده، بل يعلمنا – وهو الأهم – كيف تُعامَل الحقيقة حين لا تكون عارية من البشر!

الثلاثاء، 20 يناير 2026

حين يصبح الحب امتحانًا

يناير 20, 2026

 

رجل مسن ينظر بتأمل وحزن من نافذة خشبية قديمة، يعبر عن الوحدة والانتظار في سياق اختبارات الحب والمشاعر

   كان أبًا من طينةٍ لا تُرى بالعين، بل تُحس بالقلب؛ من أولئك الذين لا يملكون أبناءهم، بل يسكنون فيهم. كان له بنتان وولدان، أربعة قلوبٍ خرجت من قلبه، لكنه لم يشعر يومًا أنهم خرجوا فعلاً؛ كانوا امتداد أنفاسه، وذاكرة أيامه، والمعنى الأخير الذي يجعل للحياة قابلية الاحتمال.

   أحبهم جميعًا حبًّا متساويًا في ميزان العقل، غير متساوٍ في رجفة القلب؛ فالقلب لا يعرف الحساب، بل يعرف الخوف. وكان خوفه عليهم هو اسمه الآخر. وحين كبروا، لم يكبر خوفه، بل ازداد حكمةً وألمًا!

    قالوا له إن الحياة في الوطن لم تعد تُحتمل، وإن المستقبل هناك، خلف البحار، حيث الفرص أوسع والسماء أقل ضيقًا، وحيث المال أوفر والإنسان أرقى والحياة أيسر. قالوا ذلك بهدوءٍ منطقي، كأنهم يشرحون مسألةً حسابية، ولم ينتبهوا أن المسائل التي تخص القلب لا تُحل، بل تُعاش. أنصت إليهم، وهز رأسه، وأخفى ارتعاشة روحه خلف ابتسامةٍ متعبة. كان يفهمهم، أو هكذا أقنع نفسه؛ فالأب الحقيقي لا يعارض أحلام أبنائه، حتى لو كانت تلك الأحلام تمضي به إلى الوحدة.

    سافر اثنان: ولدٌ حمل اسمه معه، وبنتٌ حملت صوته في ذاكرتها. صعدا الطائرة، وبقي هو على الأرض، يلوّح بيدٍ ويُمسك بقلبه باليد الأخرى. لم يبكِ في المطار؛ البكاء أمام الرحيل يشبه الاعتراف بالهزيمة، وهو لم يكن يريد أن يبدو مهزومًا في أعينهم. لكنه حين عاد إلى البيت، وجد الصمت قد سبقَه، وجلس على المقاعد التي كانت تمتلئ بالضحك والصياح، فاكتشف أن الفراغ كائنٌ حي، يتنفس ويؤلم!

    أما البنت الثالثة، فلم تسافر بعيدًا في الجغرافيا، لكنها ابتعدت في الحياة. تزوجت في محافظةٍ أخرى، وصار لها بيتٌ جديد، وواجباتٌ جديدة، واسمٌ تُنادى به غير اسمه. لم يكن الزواج فراقًا في نظره، لكنه كان تحولاً، والتحولات تُخيف من اعتاد الثبات.

    بقي معه الولد الصغير، في الجامعة، وزوجته. بيتٌ لم يخلُ تمامًا، لكنه لم يعد مكتملاً. كان يرى الابن، فلا يراه؛ يرى فيه الطفل الذي كان يمسك يده، لا الشاب الذي صار له عالمه الخاص، الطفل الذي كان متعلقًا به، لا الشاب المتعلق بأصدقائه وزملائه وطموحات عُمره. ويرى زوجته، فيشكر الله على وجودها، ثم يشعر بالذنب لأنه يُحملها عبء فراغٍ لم تصنعه، وعبء حياة أرادت هي أن تكون أفضل وأوسع وأشمل وأكثر دفئًا، ولم تستطع!

    كان معذبًا بين نارين: نار اللوعة، ونار الرضا. يعرف أن مصلحتهم فيما اختاروا، ويعرف في الوقت نفسه أن قلبه لم يُستشر في القرار. يسأل نفسه ليلاً: هل الأنانية أن أشتاق؟ وهل التضحية أن أصمت؟ وهل الأبوة أن تُربي أبناءك جيدًا، ثم تُكافأ بالوحدة؟

    لم يكن يلومهم، ولا يلوم البلد، ولا يلوم الزمن؛ كان يلوم الحب حين يكون عميقًا إلى هذا الحد؛ فالحب، حين يبلغ ذروته، يتحول من نعمةٍ خالصة إلى امتحانٍ قاسٍ: امتحان أن تحب دون أن تملك، وأن تفرح لنجاحهم وأنت تنزف، وأن تقول: «اذهبوا» بينما كل ما فيك يصرخ: «ابقوا»!

    وهكذا عاش، لا منكسرًا تمامًا ولا سالمًا تمامًا؛ أبًا تعلَّم متأخرًا أن الأبناء لا يُخلقون ليبقوا، بل ليغادروا … وأن دور الأب لا ينتهي عند الرحيل، بل يبدأ فيه، حين يصبح الحب صامتًا، والاشتياق صلاةً يومية، والبيت شاهدًا على أن السعادة، أحيانًا، تكون في مصلحة من نحب، لا في بقائهم معنا. 

    وبعد سفرهم، لم يعد الزمن يسير كما كان؛ صار بطيئًا، ثقيل الخطى، كأن الساعات نفسها تشيخ معه. كانت الأيام تمر متشابهة، بلا ملامح، ويغدو الصباح امتدادًا باهتًا لما قبله، كأن الغياب ألقى بثقله على الوقت، ففقد قدرته على الجري، واكتفى بالزحف بصبرٍ موجع.

    تجاوز عامه الستين، فوجد أن الشيخوخة لا تبدأ في الجسد، بل في اللحظة التي تدرك فيها أن أحلامك القديمة لم تمت، بل تُركت بلا تحقيق. كان قد حلم، في شبابه الصابر، بأسرةٍ كبيرة تلتف حوله مع الكِبر، بأصواتٍ تملأ البيت، وبأحفادٍ يركضون بين الغرف، وبكرسيٍ في صدر المجلس لا يشيخ لأن من حوله يتجددون. لكن الحلم، حين اصطدم بالواقع، تحطم لا بضربةٍ واحدة، بل بتآكلٍ صامت، كالجدار الذي تهدمه الرطوبة لا المعاول!

    كان يعود إلى البيت كلما خرج، فيشعر أن الجدران أطول من اللازم، وأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل. يتجول بين الغرف كمن يزور متحفًا لذكرياته: هنا ضحكةٌ معلقة في الهواء، وهناك أثرُ شجارٍ قديم انتهى بالتصالح. لم يكن يشتاق إلى أشخاصٍ فقط، بل إلى نسخه السابقة من نفسه؛ إلى الأب الذي كان يصرخ ويضحك ويغضب ويصلح، لا إلى الرجل الذي صار يتحدث مع الصور، ويحسب الأيام بين مكالمةٍ وأخرى. وكان يؤلمه أن يعترف، ولو في سره، بأن الشيخوخة مع الأبناء أقل قسوة، وأن الوحدة لا تصبح حكيمة مع العمر، بل أكثر فتكًا!

    ومع ذلك، لم يتحول إلى أبٍ ساخط، بل إلى رجلٍ يحمل خيباته بصمتٍ نبيل. كان يقول لنفسه إن الحلم لا يُقاس بتحققه، بل بصدق من حلم به. صحيح أن الأسرة الكبيرة لم تكتمل حول مائدته، لكنهم اكتملوا في العالم، وهو من دفعهم إلى ذلك بيديه. وبين هذا الإدراك وذاك الألم، عاش معلقًا: قلبه معلقٌ بهم حيث هم، وجسده هنا، في بيتٍ لم يخنه لكنه لم يعد يكفيه. هكذا صار أبًا تجاوز الستين، لا يطلب من الحياة أكثر مما بقي منها، سوى أن تمنحه القدرة على الاحتمال … وأن تترك له حلمه القديم حيًّا، لا كواقع، بل كذكرىٍ تؤلمه بقدر ما تشهد أنه أحب بعمق.

    كان في احتياجه إليهم ما يشبه الحاجة إلى الهواء؛ لا تُرى، لكنها إن غابت اختنق القلب. لم يكن يحتاجهم عونًا ماديًا ولا سندًا ظاهريًا، بل حضورًا يطمئن روحه، صوتًا يوقظه من وحدته، نظرةً تقول له إن ما أفناه من عمره لم يذهب بعيدًا عنه. كان في أشد لحظات ضعفه يبدو صلبًا، لأن الآباء لا يتقنون الشكوى، ولأن الحزن حين يسكن رجلاً في مثل عمره لا يصرخ، بل يتآكل بصمت. كان يتمزق من الداخل، قطعةً قطعة، دون أن ينطق؛ يبتلع ألمه كما ابتلع من قبل تعبه، ويؤجل نفسه إلى أجلٍ غير مسمى.

    وفي وحدته الطويلة، كان السؤال يُلح عليه كجُرحٍ لا يندمل: لماذا لا يحبون كما يحب هو؟ هل أخطأ حين أحبهم أكثر مما ينبغي؟ أم أن الحب، مثل العمر، يختلف وزنه من جيلٍ إلى جيل؟ كان يتساءل دون اتهام، ودون غضب، فقط بدهشةٍ موجعة: كيف استطاعوا أن يمضوا، بينما لا يزال هو واقفًا عند اللحظة ذاتها؟ كيف صار الحب عندهم مساحةً في الحياة، بينما صاروا هم عنده الحياة كلها؟ 

    لم يكن يريد أن يعيدهم، ولا أن يُقيد أحلامهم، بل كان يريد أن يفهم؛ أن يجد تفسيرًا لهذا الخلل العاطفي، لهذا الميزان المائل، حيث يعطي القلب أكثر مما يستطيع أن يسترد. وهكذا عاش بسؤالٍ لا جواب له، وحبٍ لم يندم عليه، لكنه دفع ثمنه وحده! ... عاش ينتظر الموت في صمت!

الاثنين، 19 يناير 2026

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقة الأولى: (لافوازييه وبريستلي)

يناير 19, 2026

لوحة فنية تخيلية للعالمين لافوازييه وبريستلي في مختبر كيميائي قديم يناقشان اكتشاف غاز الأكسجين

     لم يكن تاريخ الفكر، منذ أن وعى الإنسان ذاته، سجلاً نقيًّا للإنصاف، ولا محكمةً تُوزن فيها المعاني بميزان العدل الخالص؛ فالأفكار – تلك الكائنات الهشة المتعالية – لا تجد دائمًا مأواها الطبيعي في أسماء من أنجبوها، ولا تُنسب بالضرورة إلى العقول التي كابدتها في صمت الليالي، بل كثيرًا ما تُختطف من سياقها، أو تُنتزع من جذورها، أو يُعاد تشكيلها في قوالب أكثر بريقًا، ثم تُقدَّم للعالم ممهورة بتواقيع لا تشبهها!

    الأشد مفارقة أن هذه الجرائم لا تُرتكب دومًا في العتمة، ولا تُدار خلف ستائر الخجل؛ بل تُمارس أحيانًا في وضح النهار، تحت أضواء المنصات، وبألسنة مُنمقة، وبألقاب ضخمة، وبين جدران مؤسسات تدَّعي حراسة الحقيقة. هناك، حيث يُفترض أن تُصان الأمانة الفكرية، تُمارس الخيانة في أرقى صورها. وليس هؤلاء لصوصًا بالمعنى المبتذل للكلمة؛ فهم لم يمدوا أيديهم إلى خزائن المال، بل إلى خزائن المعنى؛ لم يختلسوا جهدًا ماديًا، بل اغتصبوا المجد الرمزي، وسلبوا الاعتراف، وهو أندر العملات وأقساها أثرًا. إنهم لصوص النبل الزائف، الذين يعرفون أن التاريخ لا يُحاسب دائمًا، وأن الذاكرة الجمعية كثيرًا ما تنحاز لمن يملك الصوت الأعلى وليس الفكرة الأعمق! وفي جوهر هذه المأساة الأخلاقية، لا تُظلم الفكرة وحدها، بل يُظلَم الإنسان ذاته؛ إذ يُختزل الإبداع إلى سلعة قابلة للتداول، ويُفصل الفكر عن مسؤوليته، وتتحول المعرفة من فعل أخلاقي إلى وسيلة للهيمنة. وهكذا يُكافأ السارق لا لأنه أبدع، بل لأنه أتقن فن الظهور، بينما يُترك صاحب الفكرة في هامش النسيان، شاهداً صامتًا على اغتيال ما كان يومًا امتدادًا لروحه!

    إنها المفارقة العميقة في مسار الفكر الإنساني: أن تولد الحقيقة واهنةً، عاريةً من السلطان، فلا يقوى عودها إلا حين تتبناها ألسنةٌ لم تذق عناء مخاضها، ولم تنزف في سبيلها تعب السؤال ولا قلق الاكتشاف. ومع ذلك، تظل الفكرة – مهما امتدت إليها أيدي السطو – كائنًا عصيًا على الإعدام؛ فقد يُمحى الاسم من الهامش، ويُقصى صاحبه إلى عتمة النسيان، غير أن الأثر يواصل سيره الصامت في ضمير الزمن، متخففًا من الألقاب، متحصنًا بالمعنى، مترقبًا لحظة إنصافٍ قد تطول، لكنها لا تُجهض أبدًا. ومن هذا الأفق الأخلاقي الملتبس، يتقدم هذا المقال لا ليقيم محكمةً للتاريخ، ولا ليستدعي ثأرًا متأخرًا، بل ليتأمل في بعض تلك السرقات الرمزية التي ازدحم بها تاريخ العلم والفلسفة؛ سرقات كان أبطالها أسماءً لامعة، وعقولاً مُبجلة، وفلاسفة وعلماء يُشار إليهم بالبنان، بينما توارت في الظل عقول أخرى صاغت البذرة الأولى ثم غابت بلا شاهد ولا اعتراف. وهكذا، قد لا تحفظ سجلات التاريخ – في كثير من الأحيان – سوى المآثر المنسوبة زورًا، تاركة الحقيقة تتخفى في الشقوق، تنتظر قارئًا يقيم لها وزنًا، ويعيد إليها ما سُلب منها: شرف النسبة، وكرامة المعنى.

أولاً: من اكتشف الأكسجين؟ سؤال بسيط … وإجابة مثقلة بالانحياز

    يبدو السؤال، للوهلة الأولى، بريئًا في بساطته: من اكتشف الأكسجين؟ غير أن بساطته خادعة؛ إذ ما إن نقترب منه حتى ينفتح على طبقات من الظلم المعرفي، ويكشف عن الطريقة التي يكتب بها التاريخ العلمي انتصاراته وفق ميزان السلطة والتأويل، وليس على أساس الأحقية أو الأسبقية.

    تُلقننا الكتب المدرسية أن عالم الكيمياء الفرنسي «أنطوان لافوازييه» Antoine Lavoisier (1743 – 1794) هو مكتشف الأكسجين، وأحيانًا تُضاف إلى الهامش إشارة عابرة إلى اسم الكيميائي الإنجليزي «جوزيف بريستلي» Joseph Priestley (1733 – 1804)، كأنما الأمر تفصيل ثانوي لا يستحق الوقوف عنده. غير أن الحقيقة – كما في أغلب تواريخ الاكتشاف – أكثر تعقيدًا، وأكثر قسوة.

    تبدأ الحكاية في مختبر متواضع، لا يُضاهي تلك المختبرات المُجهزة في الأكاديميات الفخمة، مع رجل إنجليزي يُدعى «جوزيف بريستلي»؛ ففي سنة 1774، تمكن «بريستلي» من عزل غاز جديد، رآه لأول مرة منفصلاً، لاحظ خصائصه، ودوَّن نتائجه، ونشرها بوضوح علمي لا لبس فيه. لقد لمس الاكتشاف بيديه، وشهده بعينيه، وكان أول من أخرج الأكسجين من عتمة التفاعل إلى ضوء التجربة. غير أنه، بحكم انتمائه الفكري، ظل وفيًّا لنظرية سائدة آنذاك: نظرية الفلوجستون، فسمى ما اكتشفه «الهواء منزوع الفلوجستون» Dephlogisticated Air، دون أن يدرك تمامًا الزلزال المفهومي الذي أحدثه.

    لم يكن قصور «بريستلي» تجريبيًا، بل فلسفيًا؛ إذ امتلك الظاهرة، لكنه لم يمتلك اللغة الجديدة التي تفسرها. وهنا دخل «لافوازييه» المشهد، ليس بوصفه مكتشفًا بالمعنى التجريبي الأول، بل بوصفه مؤولاً ومُنظمًا. أخذ نتائج «بريستلي»، وأعاد قراءتها في ضوء إطار نظري مختلف، ومنح الغاز اسمًا جديدًا، وضمه إلى نسق كيميائي متماسك، وأعلن – بحقٍ من جهة، وبسطوةٍ من جهة أخرى – ميلاد الكيمياء الحديثة.

    أعلن «بريستلي» عن مولد اكتشافه لا في صيغة بيانٍ صارخ، بل في هيئة رسالةٍ هادئة بعث بها إلى الطبيب الإسكتلندي «السير جون برينجل» Sir John Pringle (1707 – 1782)، مؤرخة في الخامس عشر من مارس عام 1775، قبل أن تُتلى كلماته على مسامع الجمعية الملكية في الخامس والعشرين من مايو. وكأن الحقيقة، منذ لحظتها الأولى، اختارت أن تدخل العالم همسًا لا صخبًا، مكتفية بشهادة العلم لا بضجيج الادّعاء.

    غير أن رواية «بريستلي» في هذا الصدد تُعيد فتح المشهد على نحو أكثر التباسًا؛ إذ يُقر بأنه كان قد تحدث، قبل ذلك بأشهر، عن تجاربه المنجزة وتلك التي كانت لا تزال في طور التشكل، أثناء إقامته في باريس في أكتوبر من سنة 1774. هناك، وفي سياق لقاءات العلماء وتبادل الأفكار، كشف لزميله «لافوازييه» عن كل ما يتعلق بالغاز الجديد، كما لو أن المعرفة آنذاك كانت فعل ثقةٍ متبادلة، لا عقدًا قانونيًا محكومًا بالختم والتوثيق. ومن هنا تنبثق إشكالية أخلاقية عنيدة، لا تتعلق بالاكتشاف وحده، بل بطبيعة البحث العلمي ذاته: أين تنتهي حدود التعاون، وأين يبدأ التعدي؟ هل يُعد الإفصاح عن النتائج قبل اكتمال بنائها ضربًا من السذاجة العلمية، أم أنه تعبير عن روح البحث في أنقى صورها، حين كان العلم يُمارس بوصفه ملكًا مشتركًا للعقل الإنساني لا غنيمة فردية؟ في هذا المفصل الدقيق، لا يبدو «بريستلي» مخطئًا بقدر ما يبدو وفيًّا لأخلاقيات زمنٍ لم يكن قد أدرك بعد أن الأفكار، متى خرجت من أفواه أصحابها، قد لا تعود إليهم أبدًا بالاسم، وإن ظلت تحمل بصمتهم في جوهرها. 

    فمن هو صاحب الاكتشاف حقًّا؟ أهو من رأى الظاهرة أولاً، وعزلها من صمت المادة؟ أم من فهمها لاحقًا، ومنحها معنى، وأدرجها في خطاب علمي قادر على البقاء؟ يبدو أن التاريخ قد حسم أمره لصالح الثاني، لا لأن العدالة اقتضت ذلك، بل لأن العلم – في سيرته المؤسسية – لا يكافئ السبق وحده، بل يكافئ من يمتلك سلطة التسمية، ونفوذ التأويل، والقدرة على كتابة الرواية التي يعتمدها اللاحقون. وهكذا، لم يُمح اسم «بريستلي» تمامًا، لكنه حُشر في الهامش، بينما اعتلى «لافوازييه» المتن. إنها ليست قصة «أكسجين» فحسب، بل قصة المعرفة ذاتها: كيف تُنتزع الاكتشافات من سياقها، وكيف يُعاد توزيع الفضل، وكيف يُكافأ الفهم المتأخر أحيانًا أكثر من الرؤية الأولى. وفي هذا، يتجلى أحد أكثر وجوه التاريخ العلمي التباسًا … وأقلها عدلاً!

الثلاثاء، 13 يناير 2026

ماري كوري: في مختبر القلب والعقل

يناير 13, 2026

ماري كوري بالصمت القوي تخلط العقل والقلب في المختبر وتصهرهم في بوتقة واحدة

 «تعلمت «ماري» أن الطريق إلى العلم ليس مستقيمًا، وأن المقاومة النسوية لا تكون دائمًا صاخبة؛ أحيانًا تكون صامتة، عنيدة، وممتدة عبر الزمن»

    في وارسو، أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن الطفولة مساحةً للبراءة الخالصة كما يتم تصويرها في الذاكرة الرومانسية، بل كانت اختبارًا مبكرًا للقدرة على الاحتمال. هناك وُلدت عالمة الفيزياء والكيمياء الفرنسية (البولندية الأصل) «ماري سكلودوفسكا» Marie Skłodowska (1867 – 1934)، في مدينةٍ تعيش في ظل سُلطة لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تطمح إلى السيطرة على الذاكرة واللغة والمعنى. كانت بولندا آنذاك بلدًا يتعلم في الخفاء، ويُفكر همسًا، ويقاوم بالسلاح في يدٍ، والمعرفة في يدٍ أخرى.

    نشأت «ماري» في بيتٍ يتنفس التعليم. لم يكن العلم عند والدها مجرد موادٍ يتم تدريسها، بل أسلوب حياة، وانضباطًا أخلاقيًا، وملاذًا من القهر. غير أن هذا البيت، على ما فيه من كُتب وأحلام، لم يكن مُحصنًا ضد الفقد. ماتت الأخت الكبرى وهي طفلة بسبب مرضٍ مُعدٍ، ثم لحقتها الأم سنة 1878 بعدما أنهكها السُل. كانت «ماري» طفلةً في العاشرة من عمرها، لكن الموت دخل حياتها مبكرًا كحقيقة بنيوية: شيء لا يُفاوض، ولا يُفسَّر بالعزاء!

    منذ تلك اللحظة، تعلمت الصمت. لم يكن صمتها انكسارًا، وإنما تركيزًا وتفكيرًا وانتظارًا للآتي. انطفأت في داخلها الحاجة إلى التعزية السهلة، وتراجع الإيمان الطقسي ليحل محله نوعٌ آخر من الالتزام: التزام بالعقل، وبالنظام، وبالفهم. لم يكن تراجعها عن التدين الشعائري إعلانَ إلحاد، بل انتقالًا صامتًا في مركز المعنى؛ من التعزية الطقسية إلى الثقة بالعقل، ومن السماء بوصفها جوابًا جاهزًا، إلى العالم بوصفه سؤالًا مفتوحًا يفرضه الدين!

    زاد الفقر هذا القرار صلابة؛ فحين فقد الأب عمله، اضطرت الأسرة إلى تأجير غرفٍ من منزلها، ما أفقدها خصوصيتها، لكنه كان السبيل الوحيد للاستمرار؛ تحول البيت من ملاذٍ خاص إلى موردٍ للبقاء. هكذا هو الفقر دائمًا: لا يسلب المال فقط، بل يسلب أشياء غير مرئية: الأمان، الخصوصية، والسكينة. تعلمت «ماري»، وهي ما زالت في سن التكوين بعد، أن الحياة لا تمنح شيئًا بلا مقابل، وأن الاستقلال لا يُوهب، بل يُنتزع بالصبر. وفي هذه السنوات العجاف، لم يكن العلم ترفًا ذهنيًا، بل كان أفقًا للنجاة.

    حين تم منع اللغة البولندية في المدارس، وحُوصر التاريخ الوطني، لم تتراجع «ماري» خطوة واحرد، بل التحقت بما كان يُعرف بـ «الجامعة الطائرة» Flying University، ذلك الفضاء السري وغير الرسمي لتدريس العلوم والفلسفة والآداب باللغة البولندية خارج رقابة السلطة القيصرية الروسية، والذي كانت فيه المعرفة فعل عصيان هادئ. هناك، بين غرف متنقلة وأسماء مستعارة، تعلمت أن العلم لا ينفصل عن الحرية، وأن السؤال العلمي، في سياق القمع، يتحول إلى موقف أخلاقي. والأهم: تعلمت أن كونها امرأة لا ينبغي أن يكون سببًا للانسحاب، بل دافعًا مضاعفًا للإصرار.

    عملت مُربية في الريف سنواتٍ طويلة، ولم يكن ذلك خفوتًا في الطموح، وإنما تأجيلاً له إلى حين. كانت تُمول دراسة أختها، وتكتب في الليل، وتقرأ على ضوء التعب. هذه استراتيجيتها: ففي عالمٍ لا يفتح أبوابه للنساء بسهولة، تعلمت «ماري» أن الطريق إلى العلم ليس مستقيمًا، وأن المقاومة النسوية لا تكون دائمًا صاخبة؛ أحيانًا تكون صامتة، عنيدة، وممتدة عبر الزمن.

    لهذا، حين وصلت لاحقًا إلى باريس، لم تصل كطالبة عادية، بل كذاتٍ مُشكَّلة سلفًا: امرأة خبرت الفقد، والفقر، والإقصاء، فاكتسبت علاقة خاصة بالمعرفة. لم تكن الفيزياء بالنسبة لها فضولًا نظريًا، وإنما لغة بديلة لفهم عالمٍ لا يرحم. وحين انخرطت في البحث العلمي، فعلت ذلك بالصرامة ذاتها التي تعلمتها في طفولتها: صرامة من لا يطلب الاعتراف ... لكنه يطلب الحقيقة! ومن هنا، يمكن فهم مسيرتها العلمية كتجسيد مبكر لفكرة العلم بوصفه فعل مقاومة نسوية؛ لم ترفع «ماري» شعارات، ولم تكتب بيانات، لكنها، بإصرارها على البقاء في المختبر، وعلى إنتاج معرفة أصلية، وعلى شق طريقٍ في مجالٍ لم يُصمَّم لها، كانت تمارس مقاومة من نوع آخر: مقاومة تُثبت أن العقل لا جنس له، وأن المعرفة، حين تُنتزع من الهامش، تصبح فعل عدالة.

    طفولة «ماري كوري»، إذن، ليست فصلاً تمهيديًا يمكن تجاوزه في سيرتها، بل هي مفتاحها التأويلي الأعمق. هناك، في وارسو المقموعة، وفي بيتٍ أثقله الفقد، وفي تعليمٍ جرى سرًّا، تشكَّلت العالِمة التي ستغير فهمنا للمادة. لم يكن الراديوم أول ما اكتشفته؛ كان أول اكتشاف حقيقي لها هو أن المعرفة قادرة، بصمتٍ عنيد، على مقاومة العالم وإعادة تشكيله.

    حين وطئت قدماها رصيف محطة القطار في باريس سنة 1891، لم تكن تحمل سوى كتب الفيزياء، ولهجة بولندية ثقيلة، وإرادة صلبة صقلها الحرمان. لم تأتِ باحثةً عن حب، ولا عن حياةٍ تُروى في السير العاطفية؛ جاءت هاربة من فقرٍ يكاد يكون قدرًا، وساعيةً إلى خلاصٍ وحيد كانت تؤمن به: البحث العلمي. وفي مدينةٍ كانت لا تزال تنظر إلى العلم بوصفه شأنًا رجاليًا، أرادت أن تثبت – لنفسها أولاً – أن عقل المرأة ليس استثناءً ولا زينةً عابرة في بلاط الفيزياء، بل قوة قادرة على الإضافة والاكتشاف.

    عاشت «ماري» سنواتها الأولى في باريس على حافة الجوع: غُرفة صغيرة مُعلَّقة تحت سقفٍ يجلده البرد، مواسم شتناءٍ قاسية، وجسد ينهكه التعب أكثر مما ينهكه البرد؛ كانت تقتات على الخبز والشاي، وتؤجل العشاء أحيانًا إلى أجلٍ لا يأتي. ومع ذلك، لم يكن في حياتها فراغٌ للرثاء، ولا مساحة للرومانسية؛ كان المستقبل أثقل من أن يُحمل بقلبٍ مشغول بالعاطفة، وأقسى من أن يُلينه حلمٌ جانبي. ثم التقت «بيير كوري» Pierre Curie (1859 – 1906).

    لم يكن اللقاء بين «ماري» و«بيير» حدثًا دراميًا كما تُصور الروايات أو الأفلام الرومانسية: فلا شرارة حب مفاجئة، ولا نظرة خاطفة تُغير المصير. كان اللقاء أكثر هدوءًا ودقة، أشبه بالمعادلات التي تتقاطع فيها القوى بطريقة مضبوطة، حيث لا فجوات ولا تصادفات، فقط انتظام طبيعي ينبثق عن التفاهم بينهما. رأته لأول مرة في مختبرٍ متواضع. كان غارقًا في رائحة الكيمياء والغبار الممتزج بضوء النهار الخافت، بين أنابيب زجاجية وأدوات معدنية قليلة. كان جالسًا على مقعد خشبي، يُحدق في لوحة من الملاحظات، ويده تمسح أقلامه بعناية، كما لو كان كل شيء حوله يحتاج إلى ترتيبٍ فكري قبل أن يلمسه بيديه. لم يكن الرجل محاورًا بارعًا، ولا ساحرًا اجتماعيًا، بل كان غريبًا في صمته: صمت يثقل المكان لكنه يملؤه بالمعنى,

    خجله لم يكن نقصًا، بل جزءًا من صرامة الفكر التي تحكم سلوكه؛ كل حركة، كل إيماءة، كانت تنم عن احترام عميق للعلم وللآخر، كما لو أن الطبيعة ذاتها تُحترم قبل أية كلمة. عند الحديث، لم يكن يبحث عن المجاملات، ولم يحاول التأثير بعاطفةٍ متصنعة. كان، مثل «ماري»، يعتقد أن الفكر الصادق أبلغ من الكلام، وأن الصمت أحيانًا يحمل وزن الحقيقة أكثر من البلاغة. وببطء، ومع تكرار اللقاءات في المختبر، بدأ الحوار ينمو بينهما: أولاً عن التجارب، ثم عن الفرضيات، ثم عن التساؤلات الكبرى حول المادة، والحياة، والوجود. شيئًا فشيئًا، تحول التفاهم العلمي إلى شراكةٍ عقلية نادرة، ثم إلى حبٍ لا يعرف التملك، بل المشاركة، حيث يصبح كل منهما مرآةً للآخر.

    مع مرور الأيام، صارت المختبر الصغير عالمًا بأكمله. هناك، بين الأنابيب الزجاجية والمواد المُشعة، لم يكن الزمن يُقاس بالساعات، بل باللحظات التي يُضيء فيها فهم جديد لأحدهما على الآخر. كل تجربة كانت اختبارًا للصبر، والانضباط، والتواصل غير المرئي بين عقلين يلتقيان في صميم السؤال ذاته: ما حقيقة المادة؟ وما معنى أن يعرف الإنسان عالمه؟ تزوجا سنة 1895، ولم يكن الزواج انسحابًا من المختبر بقدر ما كان امتدادًا له. صارت الحياة اليومية تجربة علمية أخرى تنطق بأن الحقيقة العلمية تستحق التضحية. لم يكن الحب عند «ماري» و«بيير» استراحة من التفكير، بل شكله الأسمى: أن تجد من يفهم شغفك دون أن يطلب منك أن تتخلى عنه. 

    في  سنة 1898، عندما اكتشفا البولونيوم والراديوم، لم تكن فرحة الاكتشاف مجرد شعور شخصي؛ كانت تتويجًا لإيمان عميق بأن المعرفة ليست رفاهية، وإنما مقاومة ضد الجهل والقيود الاجتماعية. كان كل منهما يرى في الآخر انعكاسًا للإرادة ذاتها: إرادة لا تتراجع أمام الفقر، أو القيود الأكاديمية، أو حتى التحذيرات من المخاطر الإشعاعية. الحب بينهما لم يكن رومانسية سطحية، بل التزامًا وجوديًا: التزام بالعقل، بالتجربة، وبالمعنى الذي يُولده العمل المشترك. لم يكن الحب الذي نشأ بينهما تملكًا ولا افتتانًا سطحيًا، بل تواطؤ عقلين على السؤال ذاته، وإيمانًا مشتركًا بأن المعرفة مغامرة يمكن أن يخوضاها معًا. وفي سنة 1903، حصد الزوجان جائزة نوبل في الفيزياء، تقديرًا لاكتشافاتهما المشتركة حول الظواهر الإشعاعية. كانت الجائزة تكريمًا للشراكة الفريدة بين عقلين متحالفين في البحث عن الحقيقة. وكان المشهد أكثر هدوءًا مما قد تتصوره التوقعات: لا احتفالات صاخبة، ولا كلمات مبالغ فيها، بل شعور داخلي بالاكتمال؛ شعور بأن المعادلة التي شكلاها معًا لم تعد مجرد تجربة في مختبر، بل باتت أثرًا حقيقيًا يزيد من فهمنا للعالم. في تلك اللحظة، بدا أن كل الجهد، كل الفقر، كل صمت ليالي الدراسة، كل تنازلات الحياة، قد تجمعت لتحقق العدالة العلمية والاعتراف بالقيمة الحقيقية للمعرفة. الحب الذي جمعهما في المختبر كان حاضرًا في كل معنى حملته الجائزة، كأنه يعلن أن المعرفة والالتزام والوفاء زغيرها، أشياء يمكن أن تمتزج معًا في إنجاز ملموس، خالد، وأكبر من أي شخص بمفرده.

    سنة 1906، وبينما كانا في قمة نجاحهما العلمي، رحل «بيير» فجأة، مات تحت عجلات عربة خفيفة في صباحٍ ضبابي في أحد شوارع باريس المزدحمة. لم تفقد «ماري» زوجًا فحسب؛ وإنما فقدت نصف المعادلة، رفيق عقلها وشريك البحث الذي كان يشاركها كل فرضية وكل تجربة. لم يكن الحادث مجرد خبر مفاجئ، بل صدمة وجودية؛ يومٌ توقفت فيه الموازين التي اعتادت على انتظامها داخل المختبر وخارجه. لكن «ماري»، بطبيعتها، لم تحول الفقد إلى خطابٍ رثائي مُطول، ولا إلى عاطفةٍ صاخبةٍ تُفرغ في كلمات. بدلاً من ذلك، دخلت صمتًا قاسيًا، صمتًا يثقل الأرض ويضيء الفكر في آن واحد. عادت إلى المختبر، إلى الأنابيب، إلى الأوراق المملوءة بالملاحظات، إلى الذرات التي لا تعرف الموت ولا تعترف بالحزن. هناك، وسط الراديوم والبولونيوم، كانت تُعيد صياغة الحب على نحو آخر: حب لا يزول مع الفقد، بل يستمر كأثر خفي في العمل، في الفكرة، وفي الإصرار على البحث المستمر!

    بعد وفاة «بيير»، لم يتوقف المختبر عن أن يكون عالَمها، ولم تتوقف الملاحظات عن أن تكون رسالة وجودية. بقيت «ماري» بين الأنابيب والذرات والكتب، تتحرك بهدوء شديد، متأنية، كمن يعيد رسم المعادلات، ليس فقط للعلم، بل للحياة ذاتها. وفي خضم صمتها، واصلت البحث عن المعادن المشعة، وعن قوانين الطبيعة، مستحضرة عقل «بيير» وقلبه في كل تجربة، كأنّه يشاركها العمل حتى بعد رحيله. وبينما كانت باريس تتابع بصمت إنجازاتها، حصلت «ماري» على جائزة نوبل في الكيمياء سنة 1911، تكريمًا لجهودها المستمرة في اكتشاف عناصر جديدة وفهم الإشعاع. 

    لم يكن هذا الفوز مجرد تتويج شخصي، بل إعلان مؤداه أن العمل المستمر، وأن الالتزام الصامت بالمعرفة، قادر على تجاوز الألم والفقد، وأن الحب الحقيقي، حين يُترجم إلى خلق وإنتاج وتأمل مستمر، لا يموت مع رحيل من نحب. هنا، في المختبر، وفي الأوراق المملوءة بالحسابات والتجارب، أصبح الإنجاز العلمي أيضًا شهادة على الصمود الإنساني وعلى قدرة الإنسان على أن يحول الفقد إلى أثرٍ خالد. هكذا، لم يكن حب «ماري» و«بيير» مجرد قصة رومانسية، بل تجربة وجودية كاملة، مختبرًا امتزج فيه القلب بالعقل، والعاطفة بالاكتشاف، والإنسان بما يتجاوز هشاشته. كان الحب فيه فعل مقاومة: مقاومة للموت، ومقاومة للغياب، ومقاومة لكل ما يحاول إلغاء معنى ما تحقق بالجهد والإخلاص المشترك. 

    ليست هذه أسطورة غرامٍ نستمع لها في أسى، أو نشيدًا عاطفيًا نُردده ذات مساء شتوي؛ إنها حكاية حب يرفض أن يُختزل، ولا يساوم على اتساعه ... حكاية حب لا يخشى المرأة، ولا ينكمش أمام حضورها الخلَّاق، بل ينهض بها ومعها، حكاية شراكةً يتجاور فيها القلب والعقل دون خصام.

الأحد، 11 يناير 2026

لماذا فشلنا في تحقيق معنى العيش المشترك؟

يناير 11, 2026

 

مشهد رمزي لصراع فكري بين رجل دين ومفكر حداثي يفصل بينهما صدع مشتعل، مع حكماء يتأملون الزمن ومصير الإنسانية

   ليس ثمة وجعٌ أفدح من ذلك الذي يتسلل إلينا حين تنقشع غشاوة الصخب، فنقف عراةً أمام حقيقة مُرة: أننا، بعد أعوام، وربما عقودٍ، من الجدل الصاحب، لم نبلغ حتى عتبة التعايش الأولى! كأن كل ما قلناه لم يكن سوى ضجيجٍ يُموه العجز، وكل ما فعلناه كان خطوةً أخرى نحو هاوية القطيعة. عندها ندرك، بمرارةٍ مضاعفة، أن السهام التي أطلقناها من داخلنا كانت أمضى وأشد فتكًا من كل ما وُجه إلينا من قبل خصومٍ أعلنوا عداوتهم جهارًا ورُحنا نُهلل ونُصفق لها!

    لقد تحولنا، على نحوٍ مأساوي، إلى غرباء يسكنون المكان ذاته دون أن يلتقوا فيه؛ نُجاور بعضنا بالأجساد، ونفترق بالأرواح والعقول؛ نتشارك لغةً واحدة، لكنها لم تعد جسرًا للتفاهم، وإنما أداةً للاتهام؛ ونتقاسم دينًا وتاريخًا، غير أنهما غدوا مجرد شعاراتٍ لا فعل لها في الواقع. أصبح المشترك الثقافي، الذي كان يفترض أن يكون مأوى لنا، عبئًا نستدعيه من حينٍ إلى آخر لتبرير الانقسام. وما يضاعف الفاجعة أننا، ونحن غارقون في استدعائه، نعجز عن اقتسام أبسط ما يُحيينا: لحظة إنصات صادقة، أو قدرًا يسيرًا من الرحمة، أو استعدادًا أوليًا لرؤية الآخر بوصفه إنسانًا لا يُناصبنا العداء. كأن القلوب أُغلقت قبل العقول، وكأن الخلاف لم يعد اختلاف أفكار، بل انكسارًا أخلاقيًا في القدرة على الفهم والتسامح. وفي هذا المشهد، لا تكون الخسارة سياسية ولا فكرية فحسب، بل وجودية في جوهرها؛ إذ نخسر أنفسنا ونحن نخاصم أقرب الناس إلينا، ونهدم بأيدينا ما عجز الأعداء عن هدمه. 

    لقد انسقنا، في غير قليل من لحظاتنا، وراء مصالحنا الشخصية الضيقة، ننظر تحت أقدامنا ولا نرفع أبصارنا إلى الأفق، نلهث خلف مكاسب عابرة، ونقايض القيم بالمنافع، والمبادئ بالتحزبات؛ تمددت «الأنا» حتى طغت على «نحن»، وصار صوت أحدنا الفردي أعلى من النغمة الجماعية، لا لأنه الأصدق، بل لأنه الأكثر إلحاحًا وقبولاً من باعة الوهم؛ أصبح الانتصار للرأي غايةً في ذاته، حتى لو كان على حساب الحقيقة، وغدا إثبات الخطأ في الآخر، بل وسحقه، أيسر وأسرع من محاولة فهمه. لم نعد نتحاور كي نقترب، بل لنتغالب؛ ولم نعد نختلف لنرحم، بل لنُسقط بعضنا بعضًا. وفي هذا الانسياق الصامت الذي يشبه التواطؤ مع الضعف، نسينا المعنى العميق لما كنا نزعم الدفاع عنه؛ نسينا أن الحكمة، التي نرفعها لافتةً في الخطب والبيانات، لم تكن يومًا سيفًا للإقصاء ولا ذريعةً للاستعلاء، وإنما كانت بحثًا متواضعًا عن الصواب، يبدأ بالشك في الذات قبل اتهام الآخرين. ونسينا، كذلك، أن الأخلاق التي نتغنى بها لم تُخلق لتبرير القسوة، ولا لإضفاء مسحة نبيلة على التشفي، بل لتقييد نزاعاتنا، وتهذيب خصوماتنا، وحفظ إنسانيتنا حين يشتد الخلاف!

إن المأساة الحقيقية لا تكمن في أننا نخطئ الطريق فحسب، بل في أننا نُقنع أنفسنا، ونحن نبتعد عنه، أننا نسير في الاتجاه الصحيح. وحين تختلط المصلحة بالحقيقة، ويُقدَّم الانتصار على العدالة، لا يعود السؤال عمّا ربحناه، بل عما خسرناه من ذواتنا ونحن نظن أننا نكسب!

    تبًا لفلسفتنا ... كانت الفلسفة، في أصل وعدها، قادرةً على أن أن تكون ملاذًا للعقل حين تضيق الأزمنة وتشتد التوترات؛ فضاءً رحبًا نلوذ به لا لنهرب من الاختلاف، بل لنتعلم كيف نُفكر فيه دون أن نمزق أنفسنا. غير أننا أفرغناها من معناها العميق، وسلبناها وظيفتها الحياتية الأساسية، وحولناها من تمرينٍ شاق على التفكر والتساؤل إلى أداةٍ حادة في معارك الهوية والانتماء؛ صارت تُستدعى لا لتوسيع الأفق، بل لتكريس الخنادق، مع أن جوهرها كان، على الدوام، تعليم الإنسان كيف يختلف دون أن يرفض الآخر، وكيف يرى في التعدد ثراءً للوجود وليس تهديدًا لكيانه. 

    تقوقعنا داخل ثنائياتٍ صلبة، كأنها أقفاصٌ فكرية محكمة: التراث في مواجهة التجديد، الأصالة في صراعٍ مع المعاصرة، الأصولية في خصومةٍ مفتوحة مع العلمانية؛ احتمينا بهذه البوتقات، ربما خوفًا من التيه، ثم شرعنا نتقاتل داخلها، ونتراشق بالتهم والشتائم، ونظن – في وهمٍ مُرضٍ –  أننا نمارس التفلسف، بينما لم نكن نفعل سوى إعادة إنتاج الخصومة بألفاظٍ أكثر تجريدًا! اختزلنا الفكر في مواقع، وحوَّلنا الأسئلة إلى رايات، وصار كل معسكر يحرس حدوده أكثر مما يُوسع أفقه؛ لم نعد نسأل لكي نفهم، وإنما لكي نُدين؛ ولم نختلف لنتكامل، بل لنتحصن! وفي غمرة هذا الانشغال العقيم، كان العالم من حولنا لا ينتظر؛ كان يعيد تشكيل ذاته بهدوءٍ وعناد: يطرح تساؤلاتٍ جديدة عن الإنسان، والمعنى، والعدالة، والمعرفة، بينما كنا ما نزال نلوك التساؤلات القديمة بلهجةٍ غاضبة، كأن الزمن توقف عند معاركنا. العالم كان يتقدم، ليس لأنه امتلك أجوبة نهائية، بل لأنه امتلك شجاعة المراجعة والتجريب وتوسيع دائرة الرؤية، ونحن كنا نراوح مكاننا، نختلف حول الأسماء، وننسى المقاصد! أصبح صخبنا بديلاً عن التفكير، وغدا التحزب بديلاً عن التفلسف، وأمست الخصومة بديلاً عن الحوار. وما لم نتحرر من أسر هذه الثنائيات، ونكف عن التعامل معها كقدرٍ لا يُمس، سيظل العالم يمضي من حولنا، بينما نظل نحن ندور في الحلقة ذاتها، نرفع الشعارات ذاتها، ونطرح التساؤلات ذاتها، دون أن نقترب خطوة واحدة من المعنى.

    لقد أخفقنا في أن نتفلسف حقًا، لأن التفلسف يتطلب صبرًا لم نملكه، وتواضعًا لم نحتمله. لم نصبر على السؤال وهو يزعزع يقيننا، ولم نحتمل الشك وهو يعري هشاشة مواقفنا، ولم نتعلم الإصغاء بوصفه فعل شجاعة يُبدد ضعفنا؛ أردنا إجاباتٍ جاهزة تمحو القلق، ومواقف قاطعة تُسكت الحيرة، وأحكامًا نهائية تختصر تعقيد العالم، كأن الواقع بسيط مستقيم، وكأن البشر نسخٌ متطابقة لا ذواتٌ مشحونة بتجارب متباينة وآلام مختلفة وتساؤلات لا تنتهي.

    أما الدين، الذي كان يفترض أن يكون ضميرًا حيًّا يُهذب الاختلاف ويمنحه بُعده الأخلاقي، فقد ابتعدنا عن روحه، واقتربنا من قشرته. تشبثنا بمظهرية الطقوس والعبادات، وتركنا المقاصد؛ أكثرنا من الاستشهاد، وقللنا من الشهادة بالفعل. نسينا أن الأخلاق ليست مجرد كلمات نتشدق بها على المنابر، بل ممارسة يومية شاقة: في العدل حين يتعارض مع المصلحة، وفي الرحمة حين تكون الإدانة أسهل، وفي الصدق حين يصبح ثمنه باهظًا. ولو أننا استحضرنا حقًا معنى مقولة «الاختلاف رحمة»، لما انحدرت مواقفنا إلى خصومات، ولا تحولت آراؤنا إلى معارك، ولا غدا الاجتهاد تهمة تستدعي التخوين. لكننا، إذ فرغنا الفلسفة من صبرها، والدين من أخلاقه، وجدنا أنفسنا عُراةً أمام اختلافٍ لا نعرف كيف نحتويه، فاخترنا أن نتحارب وأن يُقصي أحدنا الآخر بدلاً من احتوائه والتعلم منه!

    إن مأساة واقعنا لا تكمن في تعدد مواطن الاختلاف، فذلك من سنن الحياة وشرط خصوبتها، بل في عجزنا المزمن عن إدارته إدارةً رشيدة تحفظ لنا الكرامة وتُحقق معنى الاجتماع؛ ولا تتمثل المعضلة في تضارب المصالح، إذ هو أمر ملازم لكل وجود بشري، بل في تحويل تلك المصالح إلى أصنامٍ تُعبد، تُقدَّم لها قيمنا كقرابين، ونُضحي في سبيلها بما تبقى لدينا من ضميرٍ جمعي. ما أحوجنا، في هذا المنعطف، إلى شجاعةٍ أخلاقية لا تصرخ وتتهم وتشتم وتجرح وتقتل، بل تُبصر وتحتوي؛ شجاعة تعيد ترتيب الأولويات حين تختلط المعايير؛ فتُقدم المجتمع على المكسب، لأن الربح الذي يهدم النسيج الاجتماعي خسارةٌ مؤجلة؛ وتُقدم الحق على وهم الانتصار، لأن الانتصار الخالي من العدل ليس سوى هزيمة مُقنعة!

    لعل البداية الممكنة، وربما الوحيدة، أن نتوقف لحظة وسط هذا الاندفاع الأعمى، وأن نرفع أبصارنا عما تحت أقدامنا، لنرى الطريق الممتد أمامنا وليس فقط خطواتنا؛ أن نستعيد، بجدية وصدق، سؤال الفلسفة الأول والأقدم: كيف ينبغي أن نعيش؟ وكيف يمكن لنا أن نتعايش معًا دون أن نفقد ذواتنا؟ فهذا السؤال لا يطلب وصفة جاهزة، بل يوقظ وعينا بمسؤوليتنا المشتركة عن شكل العالم الذي نصنعه. عندها فقط قد نكتشف أن التعايش ليس تنازلاً عن القناعات، بل حكمة في صونها من التحول إلى سلاح؛ وأن الاختلاف ليس ضعفًا ولا تهديدًا، بل هو شرطٌ أصيل من شروط إنسانيتنا، ونافذة نطلّ منها على حدود ذواتنا. وقد ندرك، أخيرًا، أن الدين والأخلاق، حين يُستعادان في عمقهما الإنساني، قادران على أن يضمدَا ما أفسدته الأنانية وضيق الأفق، وأن يعيدا للعيش المشترك معناه بوصفه شراكة في المصير.

استقيموا يرحمكم الله

الجمعة، 9 يناير 2026

حين يموت الجسد وتبقى الفكرة: اختبار الصدق في زمن الرثاء

يناير 09, 2026

 

تمثال لرأس مفكر فوق كتب مفتوحة وأوراق متطايرة بجوار شاهد قبر، يرمز إلى بقاء الأفكار بعد موت الجسد واستمرار الأثر الفكري

   حين يغيب الجسد، لا تصمت الأسئلة، بل تبدأ في الإلحاح؛ ينسحب الحضور المادي، لكن الأثر الفكري يتقدم إلى الواجهة، مطالبًا بحقه في الفحص والمساءلة. هنا يُطرح السؤال الأكثر إلحاحًا: ما مصير الأفكار بعد رحيل أصحابها؟ أهي ملكٌ شخصي يُطوى مع الرحيل، أم أثرٌ عام يظل فاعلاً في الوعي، لا يسقط بالتقادم ولا يُعفى بالموت؟ في هذه اللحظة، يتكشَّف الالتباس العميق بين احترام الغياب وتعطيل النقد؛ فالقبر لا يُغلق ملف الرأي، بل يحرره، ويضع الأفكار وحدها أمام ميزان العقل والتاريخ. وما كان يُقال همسًا، أو يُؤجَّل بدعوى اللياقة، يصبح سؤالاً مشروعًا لا مهرب منه.

    ليست المسألة هنا مسألة وفاء أو خصومة، بل مسؤولية فكرية: أن نميز بين الإنسان الذي يرحل، والفكرة التي تبقى؛ فالأفكار، على خلاف الأجساد، لا تعرف الموت، بل تتحول، وتترك آثارها في الوعي الجمعي، خيرًا كانت أم شرًّا. ولا ينقسم المجتمع عادةً حول شيء بقدر ما ينقسم حول أفكار ومواقف شخص ما بعد رحيله؛ فثمة فريق يهرع باكيًا – أو متصنعًا البُكاء – إلى لغة الرثاء بوصفها طقسًا اجتماعيًا لا يُراجع، كأن الموت يمنح حصانةً أخلاقية بأثرٍ رجعي، فيُمحى الجدل وتُغسل الأفكار من تاريخها. هنا يصبح الحزن عملةً للقبول، ويغدو الصمت فضيلة، لا لأنه من الحكمة، بل لأنه آمن. وفي المقابل تتعالى أصواتٌ قليلة، وربما نادرة، لا ترفع نبرة الشماتة ولا تتوسل القسوة، وإنما تُصر على تمييزٍ فلسفي قديم: بين الحق في الموت دون ضجيج، والحق في نقد الأفكار بوضوح. هؤلاء لا ينكرون إنسانية من يموت، لكنهم يرفضون تأليه خطابه؛ ولا يغفرون سقطات رؤاه؛ مبدأهم أن الفكر لا يُدفن مع صاحبه، وأن الأفكار لا تتحول إلى فضائل لمجرد أن صاحبها صار ذكرى.

    المفارقة الأشد إيلامًا أن كثيرين ممن يذرفون الدموع، أو يتقنون محاكاة الدموع في مثل هذه اللحظات، ربما لم تكن لهم يومًا علاقة حقيقية بالأفكار التي ينعون أصحابها؛ لم يكونوا تلاميذ للفكر، ولا قارئين له، ولا خصومًا له، ولا حتى محاورين على تخومه، بل أسرى صورة جاهزة ل «المثقف» بوصفها هيئة اجتماعية لا مشروعًا معرفيًا. صورة تُرتدى عند اللزوم، وتُخلع عند أول احتكاك بالمعنى. في هذا السياق، لا يعود المثقف من يوسع أفق العيش المشترك، أو من يزعج السائد بسؤالٍ غير مطروق، بل من يُحسن التموضع داخل المجال الرمزي الغالب، أيا كان شكله أو اتجاهه؛ هو من يعرف متى يُصفق، ومتى يصمت، ومتى يستدعي قاموس الرثاء بوصفه بطاقة عبور أخلاقية تضمن له السلامة والقبول والانتشار. وهكذا يتحول الفكر من مغامرة عقلية إلى بروتوكول سلوكي، ومن مسؤولية نقدية إلى مهارة علاقات عامة مطلوبة إعلاميًا!

    فلسفيًا، نحن أمام التباس دقيق بين التسامح والتنازل. فالتسامح لا يعني إلغاء العقل، ولا تحويل الخلاف الجذري إلى رداءٍ من المجاملات الجنائزية. بل هو فعل مسؤول، يُقر بكرامة الإنسان ويصونها، وفي الوقت ذاته يحافظ على مساءلة الأفكار، ويترك لها فضاءً للمراجعة والنقد، بلا خوف من الاقتراب من الحافة. أما التنازل، فهو منح الموت سلطة عُليا تحول دون النقاش، وطلب نسيان التاريخ احترامًا للمشهد. إنه انسحاب من المواجهة الفكرية، وتحويل الحاضر إلى مشهدٍ استعراضي، حيث تُدفن الحقيقة تحت طبقات من الرثاء الزائف واللياقة الاجتماعية. وهنا تكمن خطورة التنازل: ليس في كونه اختيارًا أخلاقيًا بقدر ما هو قيد على الفكر من قبل من يتشدقون بحريته، وإلغاء لما ينبغي أن يبقى حيًا، حتى بعد رحيل صاحب الفكرة.    

    إن أخطر ما في هذا الانقسام ليس حدته، بل رسالته الضمنية: أن الحقيقة مؤجلة، وأن قولها مرهون باللحظة المناسبة، وأن عبارة «الوقت غير مناسب» قد تمتد إلى ما لا نهاية. غير أن الفلسفة، منذ ولادتها، وُجدت لتقول ما لا يُراد له أن يُقال، لا بدافع الخصومة، بل بدافع المسؤولية. لذلك، ليس المطلوب أن نُحب الراحلين أو نكرههم، بل أن نكون أمناء مع أنفسنا؛ أن نُفرق بين الرحمة التي تخص المصير الإنساني، والنقد الذي يخص المصير الفكري؛ فحين نخلط بينهما، نخون الاثنين معًا: نخون الإنسان بتحويله إلى رمز (وقد لا يستحق)، ونخون الفكرة بتركها بلا حساب (وقد تكون كارثية). وفي النهاية، لا يختبر الموت أخلاق الأفراد بقدر ما يختبر شجاعة المجتمع: هل يملك القدرة على أن يحزن بلا نفاق، وأن ينتقد بلا قسوة، وأن ينطوي على اختلافٍ قوامه الاحترام المتبادل، وتجنب المغالطات والشتائم؟ الانقسام يعكس أزمة أعمق تعكس هشاشة ثقافتنا، وعلاقتنا السطحية بالفكر، وتعكس أيضًا ديماجوجية الاختلاف في أبهى صورها!