-->

الأحد، 30 نوفمبر 2025

الفعل التواصلي ... يورجن هابرماس الفلسفة ليست ثمرة اكتمال بل ثمرة انكسار!

نوفمبر 30, 2025

الفعل التواصلي ... يورجن هابرماس الفلسفة ليست ثمرة اكتمال بل ثمرة انكسار!

اللغة ليست أداة محايدة، بل مخاطرة دائمة

    لم يولد الفيلسوف الألماني «يورجن هابرماس» Jürgen Habermas (من مواليد سنة 1929) وفي فمه نصفُ حقيقةٍ جاهزة، كما لو أن الفلسفة ميراثٌ بيولوجي أو امتيازٌ يُمنح عند الميلاد؛ بل وُلد وفي فمه نصف صوت. شقّ صغير في الشفة، بالكاد يُرى، لكنه كان كافيًا لأن يفتح في تجربته الأولى صدعًا عميقًا: صدعًا بين الرغبة في القول والقدرة على الإفصاح، بين المعنى كما يُحَس والمعنى كما يُنقل. هكذا تعلَّم، جسديًا وليس نظريًا، أن اللغة ليست أداة محايدة، وأن الكلام ليس تدفقًا طبيعيًا، بل مخاطرة دائمة، واحتمال فشلٍ كامن في كل محاولة للتواصل. 

كيف نُعيد إلى اللغة كرامتها؟

    نشأ «هابرماس» وهو يشعر أن صوته لا يصل مباشرة إلى العالم، بل يمر بمنعطفات، يتعثر، يتكسر، كأن عليه أن يفاوض الهواء قبل أن يلامس آذان الآخرين. في هذا التعثر المبكر، في هذا الإحساس بأن التواصل فعلٌ غير مضمون النتائج، تكوّنت البذرة الأولى لما سيصير لاحقا أحد أكثر المشروعات الفلسفية طموحًا في القرن العشرين: البحث في شروط الفهم الإنساني، لا بوصفه حقيقة عقلية مجردة، بل بوصفه ممارسة حية بين ذوات هشة. ولم يكن السياق التاريخي أقل قسوة من السياق الجسدي؛ فقد فتح وعيه على عالمٍ كانت فيه اللغة نفسها مُدنَّسة، مُسخَّرة للعنف، ومتورطة في الكذب الجماعي. السياسة لم تفسد الممارسات العامة وحدها، بل أفسدت الكلام: جعلت الخطاب أداة سيطرة، لا وسيلة تفاهم، وجردت الكلمات من وعودها الأخلاقية. في هذا العالم، كان الصمت نجاةً لبعض الناس، وكان الصراخ امتثالاً لبعضهم الآخر. أما «هابرماس»، فاختار طريقًا ثالثًا: أن يُعيد للغة كرامتها المهددة.

الفعل التواصلي

    من هنا لا تبدو نظرية الفعل التواصلي Communicative Action مشروعًا أكاديميًا باردًا، بل سيرة ذاتية متخفية في هيئة فلسفة. فالفعل التواصلي، في جوهره، ليس مجرد تبادل معلومات، بل التقاء ذواتٍ تسعى – على الأقل مبدئيًا – إلى التفاهم. هو فعلٌ يتأسس على افتراض أخلاقي صامت: أن الآخر ليس عدوًا ولا وسيلة، بل هو شريكٌ محتمل في بناء المعنى. ولهذا يرتبط التواصل، عنده، بالحقيقة كما يرتبط بالصدق، وبالشرعية كما يرتبط بالاعتراف المتبادل.

العقل لا يبلغ نُضجه في العُزلة

    يميز هابرماس بين فعلٍ يُراد به النجاح بأية وسيلة، وفعلٍ يُراد به الفهم مهما كانت كلفته. الأول أداتي، يحسب النتائج ويقيس النفع؛ أما الثاني فتواصلي، لا يتحقق إلا إذا قبل المتحاورون الاحتكام إلى قوة الحُجة بدلاً من حُجة القوة. وفي هذا التمييز يكمن قلب مشروعه: إن العقل لا يبلغ نضجه في العزلة، ولا في السيادة الصامتة، بل في الحوار المنفتح الذي يُمكن كل طرف من مساءلة ادعاءات الآخر، والأهم: مساءلة ادعاءاته الخاصة. لهذا لا تظهر اللغة، في فلسفته، كمرآة للعالم، بل كمساحة أخلاقية مشتركة. إنها الحقل الذي تُختبر فيه الحقيقة، لا عبر التطابق الميتافيزيقي، بل عبر القابلية للنقاش. الحقيقة، هنا، لا تُفرض، بل تُستدعى إلى الطاولة؛ والشرعية لا تُمنح من أعلى، بل تُنتج من أسفل، من تفاعل العقول في فضاء عمومي حر. ولعل ما يمنح هذا المشروع ثقله الوجودي هو أنه وُلد من تجربة نقص لا من فائض. هابرماس لم يكتب من موقع الصوت الواثق بذاته، بل من موقع الصوت الذي تعلم بشق الأنفس كيف يصل. لذلك لم يكن هدفه أن ينتصر في الجدل، بل أن يُنقذه؛ أن يحميه من التحول إلى ضجيج، أو إلى أداة قمع مقنَّعة بالعقلنة.

كيف يمكن أن نتعايش؟

    هكذا تحوّل الجرح الصغير الذي رافقه منذ الطفولة إلى نافذة واسعة على سؤال الفلسفة الأقدم: كيف يمكن للبشر، المختلفين والمعرَّضين لسوء الفهم، أن يعيشوا معًا دون أن يفترس بعضهم بعضًا؟ لم يسع إلى إلغاء الصمت، بل إلى إصغائه؛ ولم يُرِد للكلام أن يكون عاليًا، بل أن يكون قابلًا للفهم. وربما في هذا تكمن المفارقة الأجمل: أن الفلسفة، في حالته، لم تكن ثمرة اكتمال، بل ثمرة انكسار؛ وأن العقل التواصلي لم يولد من فائض يقين، بل من حاجة عميقة إلى الآخر. فثمة من يدخل العالم من بوابة القوة، وثمة من يدخل من شقٍ صغير في الشفة … لكنه يفتح، مع الوقت، بابًا واسعًا أمام إنسانيتنا المشتركة.

الجمعة، 28 نوفمبر 2025

مدرسة الحياة ... آلان دو بوتون

نوفمبر 28, 2025

صورة للفيلسوف آلان دو بوتون مؤسس مشروع مدرسة الحياة

    لم يدخل الفيلسوف البريطاني «آلان دو بوتون» Alain de Botton (من مواليد سنة 1969) إلى ساحة التفلسف من بوابة المعابد الأكاديمية، ولا من بين رفوف المخطوطات الثقيلة، بل ولجها من شقٍ إنسانيٍ بالغ البساطة والمرارة معًا؛ من سؤال بسيط كان يطارده كلما رأى الناس يهرولون في الشوارع بوجوه مرهقة، كأنهم يطاردون شيئًا لا يُرى: لماذا يبدو الجميع متعبًا إلى هذا الحد؟

    لقد أحس، مبكرًا، بأن الإنسان المعاصر يعيش حياةً تزداد ازدحامًا كل يوم، فيما روحه تتقلص مثل ورقة تتعرض للشمس بلا ماء. أراد أن يفهم هذا الاضطراب الذي يتحرك خلف وجوه الناس، ذلك القلق الصامت الذي يشبه ارتجافًا دائمًا في القلب. وكانت الفلسفة بالنسبة له ليست درعًا ضد العالم، بل نافذة عليه.

    لم يكتب «دو بوتون» بأسلوب الفلاسفة الذين يحتمون في حصون التنظير؛ كتب كما لو أنه يضع يدًا على كتف القارئ ويقول له: هيا نفكر معًا، ببطء، مثل أصدقاء في مقهى. فلسفته ليست صوامع ولا أبراجًا عالية، بل جسورًا صغيرة تمتد بين الحياة اليومية وأسئلة المعنى: كيف نحب دون أن نفقد أنفسنا؟ كيف نعمل دون أن نستنزف أرواحنا؟ لماذا نفشل؟ ولماذا نخاف؟ وكيف يمكن لحكمة الرواقيين، أو لتأملات «ميشيل دي مونتين» Michel de Montaigne المترددة، أن تُخفف وطأة يومٍ مثقل بالخيبات، أو تواسي قلبًا منكسرًا بالإخفاقات؟

    كان «دو بوتون» مشغولًا دائمًا لا بالفلاسفة أنفسهم، بل بالجراح التي تجعلنا نذهب إليهم ونطلب حكمتهم. ولأنه يؤمن بأن الحكمة لا تنتمي إلى المتاحف والمعابد والمؤسسات التعليمية بل إلى الشوارع، أسس «مدرسة الحياة»؛ مؤسسة تُعيد الفلسفة إلى موضعها الأصلي، حيث بدأت أول مرة: بين الناس، في الأسواق، في البيوت، في الأسئلة الصغيرة التي نخجل من مواجهتها. لقد أراد للفلسفة أن تكون شيئًا نستطيع أن نلمسه، أن نطبخه، أن نجربه، لا أن نقرأه فقط؛ أن تتحول من فكرة إلى ممارسة، ومن حكمة إلى عادة.

    والحق أن أبهى ما يميّز حكاية «دو بوتون» أنها خالية من ادعاء البطولة الفكرية؛ لم يتقدم بوصفه حامل مفاتيح الحقيقة، ولا أحاط نفسه بتلك الهالة المصطنعة التي يتدثر بها بعض الأكاديميين، ولا استعان بقداسةٍ رخوة كما يفعل نفرٌ من رجال الدين حين يخلطون اليقين بالسلطة. كان – على العكس – شديد الوعي بحقيقة صارخة: أن الإنسان المعاصر لا يعاني من نقصٍ في العبقرية، بل من فقرٍ في الدفء؛ لا يحتاج إلى مزيد من العقول المتعالية، بل إلى أصواتٍ لا تخجل من الاعتراف بضعفها، فلاسفة يعترفون بأنهم بشر، يُحبون ويخطئون، يفشلون ويسقطون ثم ينهضون مثل سائر الناس.

    يكتب دو بوتون الفلسفة كما لو كان يرسم خريطةً للنجاة اليومية؛ لا للخلاص العظيم؛ دليلاً متواضعًا لعبور الأيام بأقل قدرٍ من القسوة ... يكتب وكأنه يهمس في أذن القارئ بأن الحكمة ليست كنزًا بعيدًا يُحتكر في الأعالي، ولا فكرة مجردة تُعلَّق خارج الحياة، بل شيء صغير، هش، ينمو في تفاصيل اللحظة العابرة؛ في الانتباه، في الفهم، وفي القدرة على التصالح الهادئ مع نقصنا الإنساني حين نجرؤ على رؤيته. وفي عالم يزداد ضجيجًا، يبدو صوت دو بوتون، الهادئ، المتأمل، المفعم بالحنو، كأنّه دعوة خفيفة للعودة إلى أنفسنا ... إلى ذلك المكان الداخلي الذي نسيناه طويلاً، وظنناه لم يعد موجودًا!

الخميس، 27 نوفمبر 2025

الفيلسوف والسُلطة ... سلافوي جيجك

نوفمبر 27, 2025

صورة الفيلسوف سلافوي جيجك يناقش العلاقة بين الفلسفة والسلطة والأيديولوجيا

    لا تُناشدك الحكمةُ المعاصرة أن تُعمِل فكرك في العالم أو أن تنفذ إلى بنيته العميقة، بل تُغريك، بلغةٍ ناعمةٍ ومطمئنة، بأن تُهادن تناقضاته وتتصالح معها، شرط ألَّا تُقلق السائد أو تُربك الطمأنينة الزائفة. إنها حكمة لا تُنير بقدر ما تُخدِّر، غباءٌ توافقي يتستر بثوب الاعتدال، وتواطؤٌ اجتماعي يُقدَّم بوصفه رُشدًا واتزانًا، في زمنٍ انكمش فيه الأفق إلى حد العجز عن تخيل عالمٍ أفضل، فلم يعد التفكير يتجه نحو التغيير، بل نحو إدارة البقاء وحسب. 

    بهذه النبرة النقدية اللاذعة عبَّر الفيلسوف السلوفيني «سلافوي جيجك» عن التوتر البنيوي بين الفلسفة والسُّلطة؛ لا السُّلطة بوصفها بنية سياسية، بل بوصفها كلّ شكلٍ من أشكال الهيمنة التي يمارسها الإنسان في أي زمانٍ ومكان، حين يُحول العادة إلى قانون، والامتثال إلى فضيلة، والسكوت إلى علامة على الحكمة؛ ففي هذا المعنى، تصبح الفلسفة فعل مقاومة، لا لأنّها تَعِد بالخلاص، بل لأنها ترفض المصالحة السهلة مع واقعٍ يُطالَب فيه الفكر بأن يكف عن الإزعاج!

    في إحدى مدن أوروبا الشرقية، وفي ظل شتاء يوغوسلافي رتيب، كان هناك شاب نحيل بملامح خجلى وذهن يفيض بضجيج لا يهدأ. كان اسمه: «سلافوي جيجك» Slavoj Žižek (من مواليد سنة 1949). شابٌ لم يحمل لافتة ثورية ولا انخرط في حركة معارضة، لكنه ارتكب في نظر السلطة خطيئة أشد خطرًا: كان يفكر! كان «جيجك»، في زمنٍ تُقدَّم فيه الأيديولوجيا كسماء مكتملة لا ثقب فيها، يقف على حافة تلك السماء ويتساءل: وماذا لو كانت النجوم ثقوبًا؟ وماذا لو أن الضوء ليس برهانًا على الحقيقة، بل على غيابها؟ 

    لم تكن السُلطة في يوغوسلافيا تطيق هذا النوع من الأسئلة؛ فالسُلطة – أية سُلطة في أي موقع، وسواء أكانت كبيرةً أم صغيرة – قد تحتمل معارضًا يعرف كيف تتفاوض معه وتجتذبه، لكنها لا تحتمل فيلسوفًا يجردها من المسلمات التي تقوم عليها. فالمعارض يطالب بتغيير المسؤول، أما الفيلسوف فيسأل عن معنى وجود المسؤول أصلاً!

    لم يكن «جيجك» ثائرًا صاخبًا، بل كان يكتب جملاً تبدو للوهلة الأولى بريئة، لكنها كانت في حقيقتها تعمل كمعاول صغيرة تنخر في جدار الخطاب الرسمي. كان يكتب عن الأيديولوجيا كما لو كانت روحًا خفية تتسلل إلى اللغة، إلى القوانين، إلى الشعارات، ثم تجعل الجميع يظنون أنهم أحرار وهم يعيشون داخل قفص مدهون بلون الحرية. ولذا وجد بعضهم أن صمت «جيجك» أخطر من صياح الآخرين. الصياح يراه الناس، أما الفلسفة فتنفذ كالدخان تحت الأبواب، وهكذا مُنع من المناصب الجامعية، وتعثر حصوله على الدكتوراه، ووُضِع دائمًا في دائرة الريبة، كمن يحمل شيئًا غير مسموح به رغم أن يده فارغة!

    ثم حدث ما لم تُرد السُلطة الاعتراف بأنه كان قادمًا: تشققت السماء؛ انفجرت يوغوسلافيا جنوبية وشمالية ووسطى، وتحولت مقولات الإعلام الرسمي إلى قصاصاتٍ من ورق. كل ما كان يبدو صلبًا، صار فجأة قابلاً للتفتت تحت أصابع الناس. وفي تلك اللحظة التي كان الجميع يبحثون فيها عن تفسير، عاد «جيجك»، الشبح الذي حاولت السُلطة تجاهله، إلى الساحة. عاد ليس بوصفه معارضًا منتصرًا، بل بوصفه الشاهد الذي كان يراقب التشققات بينما كان الآخرون يحتفلون بصلابة الجدار!

    قال يومًا. إن السُلطة لا تسقط حين تواجه المعارضة؛ بل حين تعجز عن مواجهة أسئلتها الخاصة. اندفع الناس يقرأون «جيجك» لفهم ما حدث: كيف تتحول الأيديولوجيا إلى دينٍ دنيوي؟ كيف ينهار النظام حين يفقد قدرة إنتاج الخيال الذي يبرر وجوده؟ المفارقة المؤلمة أن تحليلات الرجل الذي ضيَّقت السلطة عليه أصبحت اليوم تُدرَّس في جامعات العالم لفهم سقوط تلك السلطة ذاتها!

    لماذا تخشى السُلطة الفلسفة؟ لماذا تُقلصها؟ لماذا لا تُحب قُراءها والمشتغلين فيها بُعمق؟ لما لا تُحب تدريسها؟ لأن الفيلسوف ليس موظفًا في الحقيقة، بل هو زائرٌ دائم الفضول؛ لا يسكن المسلمات، بل يسكن حدودها. وكل ما يريده هو أن يرى: أن يرى ما لا يُراد له أن يرى!

    يدخل المسؤولون إلى السلطة عبر أبواب صلبة، أما الفلاسفة فيدخلون عبر الشقوق. والأنظمة تعلم أن الشقوق، حتى الصغيرة منها – هي بداية التغيير. ولذلك يخيفها الفيلسوف؛ فالفيلسوف لا يثور على الجدران؛ بل يكشف هشاشتها.

    حين نروي قصة «جيجك»، فإننا لا نروي قصة أفكارٍ مُنعت، ولا وظيفة أُجهضت، ولا شابًّا سلوفينيًا غريب الأطوار. نحن نحكي عن قانون كوني قديم: من سقراط في أثينا، إلى ابن رشد في الأندلس، إلى سبينوزا في أمستردام، إلى جيجك في ليوبليانا: السُلطة تطرد الفيلسوف، ثم حين تتعثر أو تسقط تستدعيه ليفسر تعثرها أو سقوطها! السُلطة – أية سُلطة، سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية – لا تُدرك أن الفيلسوف ليس عدو السلطة، بل مرآتها. والسلطة التي تخاف المرآة، تُعد نفسها دائمًا لانهيار لا تفهمه! 

    لا يمكن لأية سُلطة أن تصمد طويلاً إن منعت التفكير؛ والفيلسوف الذي يُطارد اليوم، يصبح غدًا المؤرخ الحقيقي للعصر. لأن الفلسفة لا تسعى إلى السيطرة، بل إلى الفهم؛ ومن يفهم يبدأ من حيث انتهى الآخرون ... السُلطة قصيرة العمر مهما امتد بها الزمن، أما الفلسفة فخالدة. و«جيجك»، بكل صخبه وعبثه ونكاته السوداء، مجرد شاهد آخر على حقيقة قديمة: يمكن للسلطة أن تمنع الفيلسوف من أي شيء سوى أن يُفكر وأن يرى. وما يراه الفيلسوف اليوم سيصبح غدًا مادة تفسير العالم بعد انهيار كل ما نعرفه!

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

رقصة الكوكب والآلة ... وسباق الزمن الأخير

نوفمبر 25, 2025

رسم تعبيري يُظهر وجهًا نصفه إنساني ونصفه آلي، مع كوكب الأرض وسحابة دخان صناعي وخلفية من البشر، كرمز لصراع الإنسان والآلة والطبيعة في زمن تغيّر المناخ

الدورة الثلاثون لمؤتمر الأطراف: 

    في مدينة «بيليم» Belém البرازيلية، حيث انعقدت قبل أيام الدورة الثلاثون لمؤتمر الأطراف COP30 (الاجتماع السنوي الرسمي للدول الأعضاء في اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ: 10 – 21 نوفمبر 2025)، وقف العقل البشري على حافة الزمن، يُسائل نفسه بصوتٍ خافت: كيف نكون مسؤولين عن مستقبلٍ لا نملكه، عن كوكبٍ يئن تحت وطأة أفعالنا، وعن حياةٍ مُثقلةٍ بالجراح ستتدفق بعد رحيلنا؟ هناك، في قلب غابات الأمازون التي تُعد رئة الكوكب، حيث تتكثّف الأرض في عروق التربة، وينبض الهواء برطوبة الحياة الأولى، كان كل نفسٍ للطبيعة بمثابة شهادة على هشاشة العالم، وعلى هشاشة إرادتنا؛ كانت الأوراق تهتز وكأنها تنطق، والمياه تتلوى وتتموج لتهمس، وكل ركن من أركان المدينة يخاطب العقل البشري قائلاً: ربما لم يعد هناك وقت للتأجيل، وربما لم تعد اللحظة الراهنة لحظة اختيار فحسب، بل لحظة اختبار أخلاقي للوجود ذاته. 

لحظة كونية فريدة

    لم يكن المؤتمر مجرد اجتماعٍ سياسي عابر، ولم تكن القضية مجرد أرقام عن انبعاثات كربونية متزايدة أو درجات حرارة متصاعدة، بل بدا المشهد وكأنه لحظة كونية تضع الإنسان أمام مرآته لتضرب رأسه بتساؤلات لا تحتمل إجاباتها التسويف: ماذا نريد أن نكون، وما الذي نستحقه، وكيف نتعامل مع قوة تكنولوجية جديدة لا نكاد نفهم طبيعتها؟ تساؤلات لا تتفاوض فقط حول إجاباتها الحكومات بُخطط وبرامج ومساومات، بل يتفاوض بشأنها الوجود البشري مع ذاته؛ مع معنى البقاء، مع وزن الأخلاق، ومع حدود القوة التي باتت التقنيات المتطورة – وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي – تمنحها للنوع البشري كأنه يخطو خارج عباءة الطبيعة. 

الارض، والآلة، والإنسان

    لقد تحول المؤتمر، بعيدًا عن البروتوكولات الرسمية، إلى فضاء فلسفي تأملي حي، حيث بدا الذكاء الاصطناعي قوةً مزدوجة: قد يكون خلاصًا للكوكب أو تعميقًا لجراحه المتفاقمة. كل اتفاق، وكل نقاش، وكل وعد، كان انعكاسًا للصراع الأزلي بين الإنسان والطبيعة، بين المعرفة والحكمة، بين الطموح والضمير، بين ما أردنا أن يكون وما هو كائنٌ بالفعل. وهناك، وسط الغابات، اختُبر التساؤل البشري القديم والجديد معًا: هل سنكون عقلاً حاضرًا ومسؤولاً، أم شهودًا صامتين على انهيارٍ كوني؟ 

    وبينما كنا نحتفل في عالمنا العربي باليوم العالمي للفلسفة دون التطرق إلى أخطر وأهم القضايا الواقعية التي تستلزم تنظيرًا فلسفيًا، كان الفلاسفة في عالمٍ آخر منشغلون بحدثٍ تتقاطع فيه ثلاثة محاور كبرى: الأرض التي تستغيث، والآلة التي يتسارع تطويرها، والإنسان الذي يتأرجح بينهما!

أولًا: الأرض كذاتٍ أعمق من السياسة

    في الأمازون – ذلك الرحم الأخضر الذي يحفظ على الكوكب ذاكرته النباتية الأولى – لا تبدو الجغرافيا مجرد مكان، بل تبدو ككيانٍ حيٍ يسعى إلى أن يُسمَع. وهنا تتعرى الحقيقة التي طالما حاول العلم أن يقولها بلغة باردة: أن طبيعة العالم ليست مخزونًا ماديًا نستهلكه، بل كائنًا كان وما زال يستحق منا أن نحترمه، طوعًا أو كرهًا. إن التهديد الذي يحوم فوق سقف 1.5 درجة مئوية (حد الاحترار العالمي المسموح به فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية) ليس رقمًا في تقرير، بل هو حدٌ أخلاقيٌ أخير يُمثل «الخط الأحمر الوجودي» الذي إن تجاوزه الإنسان انزلقت الأرض إلى مستقبل لا يعرفه أحد. لذلك تحول المشهد في «بيليم» إلى أكثر من مؤتمر: صار امتحانًا أخلاقيًا للإنسان المعاصر، امتحانًا يظهر فيه ما إذا كان بوسعه أن يتصرف ككائن عاقل في الوقت المناسب، وليس كغريزة مسيطرة تتقدم ثم تنهار. لذا لم يتردد الأمين العام للأمم المتحدة في أن يُطلق على الإخفاق في الحفاظ على حد ارتفاع درجة الحرارة اسم «الفشل الأخلاقي»؛ تسمية ليست سياسية بل فلسفية، لأنها تشير إلى عطب في الإرادة، وليس في القدرة؛ فكل درجة حرارة إضافية ليست رقمًا، بل هي محك للضمير البشري. والفشل في التصدي للاحتباس الحراري ليس علميًا فحسب، بل أخلاقيًا وجوديًا: أن نعرف الطريق الصحيح، ونغلق أعيننا، تاركين الأرض تتأوه وحدها تحت وطأة جشعنا وغفلتنا!

ثانيًا: الذكاء الاصطناعي (بين خلاصٍ ممكن وخطيئة جديدة)

    على طاولة واحدة، اجتمعت آمال البشرية ومخاوفها في صمتٍ مشحون بالدهشة؛ فبينما يعرض العلماء تقنيات الذكاء الاصطناعي كأدوات دقيقة لتحليل المناخ، والتنبؤ بالكوارث، وتوجيه الطاقة بما يعيد للعالم توازنه، يُطل في الجهة المقابلة واقعٌ مُر، يذكّرنا بأن الآلة ذاتها تغذي الاحتباس الحراري الذي تهدف إلى علاجه. المفارقة هنا أن هذه التكنولوجيا التي يُبشر بها أربابها كأداة لإنقاذ الأرض، تحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة، تستهلك كميات من الماءً وكهرباء يعجز العقل عن تصور حجمها لتبريد الخوادم وتشغيلها؛ فكل خوارزمية تحتاج إلى خادم، وكل خادم يحتاج إلى ماء وكهرباء، وكل وحدة كهرباء تولد انبعاثات، وكل ما يُصنع لإنقاذ الأرض يستنزف مواردها. وليست هذه مفارقة تقنية فحسب، بل ميتافيزيقية، إذ تثير السؤال ذاته الذي ردده كثيرٌ من الفلاسفة بطريقةٍ موجعة: هل يمكن للإنسان، وهو الذي يصنع أدوات تفوق قدرته، أن يدعي الحكمة؟ وهل يمكنه تجاوز الطبيعة دون أن يدمرها؟ أم أن التقنية، مهما علا شأنها، ستظل منتمية إلى الأرض، مدانة لها بالهواء والماء والطاقة؟

    ربما تشبه هذه المفارقة الدواء الذي يُفاقم المرض، إذ لا يمكن للإنسان أن يتحرر من قيوده ما دام هو ذاته صانع سلاسله الجديدة. ومن هذا المنظور، لا تصبح مناقشة دور الذكاء الاصطناعي في مؤتمر بيئي عالمي مجرد حدث سياسي عابر، بل منعطف أنطولوجي: لقد تحولت التكنولوجيا من أداة خارجية نستخدمها، إلى جزء من نسيج العالم ذاته؛ كائن جديد لا هو إنسان ولا طبيعة، لكنه قادر على إعادة تشكيل كلاهما معًا. وهنا يواجه الفيلسوف واجبه الأول: تفكيك معنى «السلطة» التي تمنحها البشرية لهذه الأدوات، وفهم حدود تأثيرها على مصائرنا ومستقبل الأرض.

مبدأ الحيطة

    في هذا السياق يعود مبدأ الحيطة Precautionary Principle كقانونٍ أخلاقي غير مكتوب: «لا تتقدم خطوة إذا كنت لا تعرف ثمنها». لكن الإنسان المعاصر، وهو يتعامل مع الذكاء الاصطناعي، يشبه بحارًا أعمى يبحر نحو أفقٍ يجهل أعماقه. هل الحرية أن نتقدم بلا حدود؟ أم أن الحرية الحقيقية هي أن نعرف متى نتوقف؟ لقد طرحت أوراقٌ بحثية حديثة – في أروقة المؤتمر – فكرة أن تنظيم الذكاء الاصطناعي قد لا يكون خيارًا، بل واجبًا دوليًا، تمامًا كما تُنظم الأسلحة البيولوجية والنووية؛ فالآلة المتسارعة قد تصبح، دون قصد، آخر كائن نُسلمه مصير الأرض. وليس المطلوب هو حظر التقنية، بل فهمها في ضوء «ما قد تكون»، لا فقط «ما هي الآن». الفلسفة هنا لا تُعطينا إجابات، بل تمنعنا من الغفلة؛ فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على التنبؤ بالعواصف، فمن يتنبأ بالعاصفة التي قد يحدثها هو ذاته؟ وإذا كان يعالج اختلال المناخ، فمن يعالج اختلال القوة الذي تولده مركزية هذه التكنولوجيا في يد قلة من الدول والشركات؟ إنها تساؤلات تتجاوز العلم والاقتصاد؛ وتمس القيمة والمعنى وحق الأجيال المقبلة في عالم لم يُخلق بعد.

ثالثًا: الإنسان بين عالمين (الطبيعة والتقنية)

    ما كشفه المؤتمر لم يكن فقط أزمة مناخ؛ بل أزمة إنسان؛ لقد كشف عن أن الإنسان المعاصر يعيش في شرخ وجودي: رجلٌ نصفه تراب، ونصفه سيليكون، محكومٌ بأن يصنع تقنيات تحل مشكلاتٍ خلقها هو بيديه. ومن هنا نصل إلى أعماق تساؤلات العصر الفلسفية الكبرى: ماذا يعني أن نكون بشريين في عصر تُعد فيه الآلة امتدادًا لعقولنا، وأحيانًا بديلاً عنها؟ هل الإنسان سيد العالم؟ أم مجرد كائنٍ يحاول أن يبرر بقاءه أمام تاريخٍ تتقدم فيه «عقولٌ غير بشرية» بسرعة الضوء؟ وما معنى الأخلاق حين تصبح القدرة التقنية بلا ضفاف؟ وإذا كانت الآلة تتخذ قرارات تتعلق بالمناخ، فمن هو «صاحب الفعل»؟ هل يمكن للآلة أن تكون جزءًا من «الإرادة» الكونية التي طالما تحدث عنها «سبينوزا»؟ وهل ثمة أخلاق تُمارس من غير وعي، أم أن الوعي شرطٌ للحُكم الأخلاقي؟ وهل يملك الغرب حق صياغة أخلاق العالم، أم أن مستقبل الأخلاق التقنية لا يجوز أن يُكتب بلغة واحدة، بل بلغات متعددة تعكس فسيفساء الوعي والاحتياج والتجربة الإنسانية على اتساعها؟

هشاشة الإرادة الجماعية أمام التحديات الكونية

    أخيرًا، جاء مؤتمر الأطراف هذه السنة وكأنه استدعاء للبشرية لكي تعيد التفكير في علاقتها بالقوة، وبالمعرفة، وبالعالم الطبيعي؛ وتذكيرٌ لها بأن الاحتكام التقني وحده لا يكفي، وأن القرارات السياسية وحدها لا تحسم المصير. ومع ذلك، قد تُسجَّل هذه الدورة للمؤتمر في صفحات التاريخ ليس كإنجاز عظيم، بل كدرسٍ صارخ في هشاشة الإرادة الجماعية أمام التحديات الكونية؛ فالانقسامات العميقة بين الدول، والخلافات حول الالتزامات الاقتصادية والسياسية، قد أطاحت بأي أمل في التوصل إلى اتفاق مُلزِم للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. وفي هذا السياق، يصبح غياب الولايات المتحدة، القوة الاقتصادية الكبرى، مؤشرًا رمزيًا على فشل القيادة العالمية، ويطرح تساؤلات فلسفية عن طبيعة المسؤولية: هل يمكن للأمم أن تواجه مصير الكوكب إذا غابت الإرادة الفردية الكبرى؟

    من منظور فلسفي، يكشف هذا الواقع عن مواجهة الإنسان مع حدود فعاليته الأخلاقية والسياسية؛ فالأرض لا تنتظر القرارات، والغابات والمحيطات والأنهار تواصل صمودها أو تدهورها، مستقلة عن نزاعات البشر وصراعاتهم على السلطة. وهنا، تتجلى مفارقة العصر الحديث: المعرفة العلمية متوفرة، والحلول التقنية موجودة، لكن النقص في الاتفاق الأخلاقي والسياسي يجعل هذه الإمكانات بلا جدوى! وبالتالي يتركنا الحدث أمام حقيقة مؤلمة: حتى أكبر المؤتمرات، مهما كانت عظيمة التنظيم ورمزية المكان، قد تتهاوى أمام الانقسامات الإنسانية، تاركة الأرض والشعوب أمام اختبار الزمن والضمير، لتسجل لنا درسًا لا يُنسى عن حدود القوة الأخلاقية والسياسية في مواجهة أزمة وجودية عالمية.

    وكأني في النهاية أسمع صوت معادلة روحية تتردد على ألسنة المغادرين: أن المستقبل ليس ملكًا للعلم وحده، ولا للسياسة وحدها، ولا للآلة وحدها؛ إنه ملكٌ لتوازنٍ روحي تقني أرضي، يجب أن يعيه الإنسان قبل أن يتجاوز نقطة اللاعودة. قد يصبح الذكاء الاصطناعي خلاصًا، وقد يصبح لعنة، لكن ما يحدد ذلك ليس قدرته، بل حكمتنا. وحكمة الإنسان في نهاية المطاف ليست أن يعرف كل شيء، بل أن يعرف ما الذي يجب ألا يسمح لنفسه أن يفعله.

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

الخروج من النفق (الحلقة العاشرة) الاعتماد والجودة: في دفء الأكذوبة

نوفمبر 18, 2025
ظلّ رجل يسير نحو ضوء في نهاية نفق، في إشارة إلى كشف وهم الجودة والاعتماد الورقي

اطبخي يا جارية، كلِّف يا سيدي!

في أكتوبر من سنة 2017، كتبتُ مقالاً نُشر على هذه الصفحة تحت عنوان: «الجودة: اطبخي يا جارية، كلِّف يا سيدي». كنتُ آنذاك في عامي الحادي عشر على كرسي رئاسة قسم الفلسفة، أقاوم وحدي تقريبًا ثقل ملف الجودة الذي أُلقي على عاتقي كما تُلقى صخرة سِزيف في سفح الجبل، فيما تتعالى ضغوط إدارة الكلية كأنها أوامر قدرٍ لا يلين. وقد راقني ذلك المثل الشعبي الذي يهبط من علياء السخرية ليكشف هشاشة العلاقات حين تختل موازينها: علاقةٌ بين آمِرٍ يتوق إلى اللذة ولا يدفع ثمنها، ومأمورٍ يُطالَب بأن يخلق المستحيل من فراغ يديه؛ السيّد يريد طعامًا فخمًا، مطهوًا على مهل، عابقًا برائحة الرفاه والترف؛ لكنه في الوقت ذاته يبخل أن يضع في يد الجارية ثمن الزيت والدقيق والبهارات، أو لعله لا يملك الثمن أصلاً. هنا يغدو المثل أعمق من طرفة شعبية؛ يصبح حكمة اجتماعية تكشف قانونًا كونيًا بسيطًا لا يتخلف: لا يمكن فصل النتيجة عن أسبابها، فلا زهرة تتفتح من غير ماء، ولا نهر يجري من غير منبع، ولا جودة تُستولد من فراغ اليدين وروحٍ أنهكها العبء وحدها!

الإبداع شرارة تبحث عمَّن يمنحها وقودها

ولئن كانت الجارية، في حكمة المثل، لا تُعفى من تبعة المهارة، فإن هذه المهارة لا تُخلق من العدم، ولا تُستولد من هواءٍ لا يحمل في جوفه مادة الحياة؛ فحتى أمهر الطهاة، لو أُلقي بهم في مطبخٍ خاوٍ إلا من الصمت، لما استطاعوا أن يقدموا أكثر مما يتيح لهم الفراغ؛ وكما أن الرسَّام، مهما سما خياله واتسع أفق روحه، لا يستطيع أن يهب العالم لوحةً خالدة بفرشاةٍ منكسرة وأصباغٍ شاحبة، كذلك الإبداع كلُّه لا يشتعل بالمعجزة وحدها. إن الإبداع شرارة، نعم، لكنها شرارة تبحث عمَّن يمنحها وقودها، ويهيئ لها ما تتكئ عليه لتصبح نورًا لا وهجًا عابرًا.

الجودةُ ابنةُ الإنفاق

هكذا يمضي القانون ذاته في كل سلعة، وكل مُنتَج، وكل جهدٍ يزاحم غيره في سوق الحياة: فالجودةُ ابنةُ الإنفاق، ورفيعةُ المقام لا تولد من ضآلة الإمكانات، ولا تُصاغ من طين الشُح والعوز. غير أن منظومتنا التعليمية – في مفارقتها المدهشة – تُصر على أن تُعلن ميلاد الجودة من رحم الفقر، وأن تقطف ثمار الاعتماد قبل أن تغرس بذرة واحدة في تربة العمل. «السيّد» هنا ليس شخصًا بعينه، بل عقلٌ إداريّ يريد للجامعات والكليات والأقسام أن تتوشّح حُلل التميز، وأن ترفع رايات التطوير، وأن تدخل ساحات التنافس كالعروس ليلة عيدها … لكنه يأبى أن يدفع ثمن الثوب، ولا يشتري كتابًا، ولا يجهز معملاً، ولا يمد الباحث بأدنى عُدة، ولا حتى يوفر أوراق الطباعة التي يطلبها في خطاباته الرسمية! إنها مفارقةٌ تُشبه مطالبة الشجرة بأن تُظلل العابرين وهي محرومةٌ من الماء، أو مطالبة السراج بأن ينير الطريق وهو بلا زيت؛ وشتان بين حُلمٍ جميل، وبين قدرةٍ تُنفق ليصبح الحلم واقعًا!

ختم الجودة ... الإعلامي

على «الجارية» – أي الأقسام العلمية – أن تُجدد بنيتها التحتية من جيبٍ لا يملك سوى الهواء (بما في ذلك أجهزة الصوت المتهالكة في قاعات المحاضرات)، وأن تشق طريق الأنشطة الثقافية عبر تبرعات العاملين بها، وأن تُنجز بحوثها العلمية بجهود فردية تُشبه عمل النحل في موسم يَشح فيه الرحيق، وأن تُجري تحليلاتها الإحصائية ببرامج تقتنيها من أعمارها قبل أموالها، وأن تُعد خطط متابعة الطلاب وتنفذها وهي غارقة في واجبات تمتد حتى الركبتين، لكي تنال في النهاية ختم الجودة، وكأن الدولة تتفضل عليها بما لم تُقدم له طرفًا من العون، ولو بقدر ذرة! أما «السيّد» نفسه، فلا يلتفت إلى إن كانت الجارية منهَكة الظهر، مُستنزفة الروح، مخذولة الأحلام أو مبحوحة الصوت؛ لا يعنيه إن كانت تجر خطواتها جرًا أو تخفي جراحها تحت أكمام الصبر؛ غايته القصوى أن يرى صحنًا شهيًّا على مائدته كل صباح، وأن تبدو الجارية في الليل متألّقة، مسفوحة التعب، مصقولة القسمات، ليخرج هو بتصريحٍ إعلامي يزهو فيه بما حقق، مُرنمًا بخططه النيرة، مبشرًا بجودةٍ لا يعرف لأي معاناةٍ تنتمي، ولا على أي جبهةٍ وُلدت!

الجميع يطالب بالثمرة، لكن أحدًا لا يزرع الشجرة

كنتُ أتلقى تعليمات العمل في «الجودة» ممن عملتُ معهم من عمداء ووكلاء ومدراء لوحدة الجودة، تعليمات تتناسل يوميًا، بل تكاد تطرق بابي في كل ساعة من ساعات النهار والليل. كانوا يرددونها بلهجة العارفين بسر الخلاص: الجودة ثقافة حياة … الجودة مستقبلنا … الجودة غايتنا ووسيلتنا… الجودة كذا وكذا؛ حتى غدت الكلمة ذاتها أشبه بطقسٍ يومي، تُتلى في الصباح كما تتلى الأدعية المأثورة، وتُعاد في الاجتماعات كما تُعاد اللازمة في قصيدةٍ قديمة، وتظهر في محاضر المجالس كبندٍ أول لا يزاحمه بند، ولا يعلو عليه عنوان. غير أن هذا الهوس اللفظي كان يخفي وراءه فراغًا صامتًا؛ فحين تجرؤ على السؤال: أين التمويل الذي يهب الكلمة لحمها ودمها؟ أين الأيدي التي تملك مهارة العمل، وتعرف كيف تُحوِّل الشعار إلى بنية حقيقية؟ أين الأدوات والمستلزمات التي تُقيم «الجودة» على أرضٍ لا على ورق؟ عندها فقط ينكشف المشهد على حقيقته: ضحكاتٌ لا تُشبه الفرح، بل تُشبه صفير الريح في مكانٍ مهجور؛ ضحكاتٌ تُلقي عليك إحساسًا بمرارة المفارقة، كأنك تطلب الماء من صحراء، أو تستفسر عن مفاتيح بابٍ لا وجود له. وكانت تلك الضحكات – في جوهرها – اعترافًا مقنّعًا بالعجز: فالجميع يريد أن يرفع الراية، لكن لا أحد يريد أن يحمل الخشب الذي تُرفع عليه. الجميع يطالب بالثمرة، لكن أحدًا لا يزرع الشجرة. وهكذا تتحول «الجودة» إلى طيف لغوي، معلَّق في الهواء، لا يستند إلى جسم ولا يتصل بجذر، تلمع في الخطابات وتختفي عند أول سؤال ينتمي إلى الواقع لا إلى البلاغة.

جيشٌ من ورق

مع مرور الأيام، أخذتُ أكتشف أن «الجودة» التي نُدعى إليها ليست جودة تُشيَّد بالحجارة والطوب، ولا جودة تُصاغ في المختبرات، ولا جودة تُجنى من فكرٍ يتعب، أو يدٍ تعمل، أو رؤيةٍ تخطُّ طريقًا نحو الغد؛ كانت «الجودة» المطلوبة مجرد ملف ورقي؛ مجرد شكلٍ خارجي، طلعة جميلة لوجهٍ متعب، زينةٌ تُراد بها المفاخرة لا البناء. كان المطلوب أن نُقدم ملفًا يلمع، تقريرًا يسطع، صورًا مُرتَّبة على نحو يخدع العين، لا أن نُقدّم واقعًا قادرًا على الوقوف دون عكازات. «السيّد» – في نسخته المؤسسية – يريد منجزًا يتباهى به؛ منجزًا لا يُكلفه إلا الوقت الذي يحتاجه لعرضه أمام الكاميرات، لا الوقت الذي يحتاجه لبنائه في قاعات الدراسة؛ يريد أوراقًا مكتملة البنود، مزدانة بالجداول والمقاييس، مُحكمة الصف كأنها جيشٌ منظّم، لكنها – في جوهرها – جيشٌ من ورق، لا يقوى على السير خطوة واحدة خارج حدود الملف.

كثيرٌ من الوعود، كثيرٌ من التهديدات… ولا شيء من الأدوات

ذات مرّة، وجدتُني على شفا الانفجار ضحكًا حين تحدث «السيد» في اجتماع رسمي – وفقًا لرتبته المؤسسية – متخذًا هيئة الواعظ المُلهَم، وراح يُحرض الأقسام على العمل في «الجودة» بوصفها الطريق إلى الجنان الدنيوية: قال إن القسم الذي يحصل على الاعتماد ستُفتح له أبواب السماء، سيجد خريجوه الوظائف تتهادى إليهم كما تتهادى الثمار الناضجة، وسيتزاحم الطلاب على الالتحاق به مع بداية كل عام، وسيغدو أعضاؤه من أولياء العطاء! كان يتحدث بجدٍّ يليق بمن يبشّر قافلة ضائعة بوجود واحةٍ خلف التل، لكنه كان يعرف قبل غيره أن لا واحة هناك، وأن الخرائط التي يلوح بها ليست إلا رسومًا في الهواء. كان يُهدد ويتوعد، ويُنذر مستقبلاً قاتمًا لكل من «يُقصر» في الجودة، وكأن الجودة لوحة فنية تُعاد ألوانها بالصوت العالي لا بالعمل الحقيقي، أو كأنها عجين يُعجن بالتهديد لا بالدقيق والماء. وحين قال عبارته الأخيرة: «من لم يعمل في الجودة فليتحمل عاقبة تقصيره»، كان المشهد أشبه بمخرج يلوّح بعصاه في مسرحٍ خالٍ من الممثلين؛ كيف يُطلب من الأقسام أن تنجب معجزات من موارد معدومة، وأن تُقيم بيوتًا بلا أساس؟ كيف يطلب كل هذا العمل من أناسٍ آخر غايتهم ومقدرتهم من الثورة الرقمية هو تصفح الفيسبوك، أو الانخراط في مجموعات على الواتس يتشاتمون من خلالها أو ينافقون أو يتبادلون رسائل الصباح والمساء المصورة، ثم يُحاسَبون على عدم قدرتهم على اجتراح المستحيل؟ كان كلامه يُشبه محاولة نفخ الروح في تمثال حجري، أو إقناع الناس بأن المبنى الورقي قادر على الصمود تحت المطر. ومع ذلك، قيل الكلام بلهجة اليقين الكامل، كأن الحقيقة وحدها هي التي تخذله، وكأن النقص في الكون لا في الخطاب. كانت تلك اللحظة درسًا آخر في مفارقات «الجودة» عندنا: كثيرٌ من الوعود، كثيرٌ من التهديدات، وكثيرٌ من الكلام … ولا شيء من الأدوات التي تجعل الكلام جسدًا قائمًا على قدميه.

تصديق الأكاذيب

غادرتُ ذلك الاجتماع يومها وأنا أتساءل: ما الذي يجعل بعض الناس يُصدقون أكاذيبهم إلى الحد الذي يظنون معه أن غيرهم سيصدقها أيضًا؟ أهو إدمان الخطابة؟ أم هو إيمانٌ خفي بأن الورق قادرٌ بالفعل على أن ينبت حياة؟ أم أن الطمأنينة السهلة التي تمنحها الجملة المنمقة تجعل قائلها يظن أنه ألقى في الأرض بذرة ستنمو بمجرد أنه قال إنها ستنمو؟ لقد أدركت مع الزمن أن المأساة ليست في أن الوعود زائفة، ولا في أن المنجز ورقي، ولا في أن «الجودة» لا تتعدى حدود الشعارات، بل في أن صُنَّاع هذه الوعود يعرفون أنها زائفة، ويعرفون أنها ورقية، ومع ذلك يصرون على الدور الذي يؤدونه بكل ثقة ممسرحة، كأنهم في مأدبةٍ احتفالية يرفعون فيها نخب نجاحٍ لا وجود له إلا في مخيلتهم؛ يشبهون – من حيث لا يشعرون – تلك الشخصيات التي وصفها «دوستويفسكي» بأنها «تعيش على وهمٍ تصنعه بيديها، ثم تخاف أن تُطفئه لأنها لا تملك غيره»!

فيلمٌ صامت، وقبعاتٌ فارغة

ومع الوقت، تحول «الاعتماد» إلى ما يشبه المرايا الضخمة التي تُنصب في الساحات ليُطل كل واحد على انعكاسه فيها؛ لم يكن أحدٌ يسأل: هل الصورةُ حقيقية؟ هل الوجه مضاءٌ بضوءٍ أصيل أم بضوء مصباحٍ خافت؟ المهم أن يظهر الانعكاس، أن يُلتقط، أن يُعمَّم، أن يصل إلى حيث يجب أن يصل. لقد أصبح كل شيء أقرب إلى فيلمٍ صامت: حركة نشيطة أمام الجمهور، وصمتٌ كامل في الغرف الخلفية حيث يعرف الجميع أن القصة بلا صوت، وبلا أدوات، وبلا أساس! ومع ذلك، كان «المطلوب» أن نُسهم جميعًا في استمرار هذا الفيلم؛ أن نُصفّق عند اللزوم، وأن نهز رؤوسنا إعجابًا عند اللزوم، وأن نكتب، ونصور، ونوثق على صفحاتنا ما لم يُنجَز، ونُقنع العالم أن ما لم يقع قد وقع ... كان المطلوب أن نتعامل مع الورق كما يتعامل السحرة مع القبعات الفارغة: يضعون فيها الهواء، ويُخرجون منها الأرانب البيضاء، وسط دهشة الجمهور، مع أن الجميع يعرف أن الأرانب لم تولد من الهواء، وأن القبعة ذاتها مثقوبة. ولم يكن العجيب في هذا المشهد أن البعض يُصدق، بل أن البعض يريد أن يُصدق؛ يريد أن يعيش حلمًا مريحًا، وإن كان كاذبًا، لأن الحقيقة مُكلفة، ولأن مواجهة الواقع تتطلب شجاعة لا يملكها الخطابيون الذين اكتفوا بأن يصنعوا أمجادهم من القصاصات، وأن يبنوا سمعتهم من مدادٍ يجف على الورق قبل أن يلمس الأرض!

السبت، 15 نوفمبر 2025

الخروج من النفق (الحلقة التاسعة) الدراسات العليا: رقصة العقل الوجودية المؤلمة

نوفمبر 15, 2025

طالب بزي التخرج يقف تحت ضوء خافت في مسرح مظلم، تحيط به أقنعة وأقفاص وكتب مفتوحة، كرمز لزيف الدراسات العليا وضياع الحقيقة

أطيافٌ عابرة؛    

في حلقتي التاسعة أقف عند عتبة الدراسات العليا كما لو كانت منعطفًا إجباريًا في صميم النفق المُعتم؛ هو منعطفٌ لا يبدده ضوءٌ خافت، بل تفتحه تلك التساؤلات الصلبة المتراكمة على الجدران، تساؤلات تنبثق كنتوءاتٍ حادة تشدك من كتفك وتدفعك إلى المضي قُدمًا، رغم ضيق المسار وتعثر الخطوات. هنا لا يتسع الطريق قدر ما يتسع الوعي، ولا تُشق العتمة بالقوة، بل بما تهتف به الروح وهي تلاحق إجاباتٍ تبدو، كلما دنوت منها، أكثر ابتعادًا، وكلما ظننت أنك قبضت على معناها أدركت أنها لم تكن سوى أطيافٍ عابرة، تلوح لك من مسافة، ولا تستقر أبدًا في يدٍ أو قلب.

العقل وعبثية الواقع

في هذا المقطع من الرحلة، لا يظهر العلم كدرجاتٍ يصعدها المبدعون صوب قمةٍ مرسومة، بل يتبدى كأفقٍ متحول، يعيد تشكيل ذاته كلما اقتربت منه خطوة، كسرابٍ لا يثبت على هيئة. هناك، يدور العقل في فضائه دوران المأخوذ بوهج الرؤيا، لا يهدأ ولا يستقر، كأنما هو مجذوبٌ في مولدٍ كوني، يتأرجح تحت أثقال الشكوك التي لا تبرحه، ويواصل رغم ذلك رقصته الوجودية بين الحيرة والاكتشاف، وبين الضياع والبحث عن معنى أبعد من كل معنى. هنا تكتشف أن المعرفة ليست طريقًا مستقيمًا، بل متاهة تتسع كلما حاولت ضبط حدودها، وأن العقل – برغم تعبه – لا يجد في الدوران عيبًا، بل يجد فيه إيقاعه الطبيعي، كأن التفكير ذاته شكلٌ من أشكال التسليم بعبثية الواقع والانخراط فيها!

لعبة الألقاب

    لم تعد الدراسات العليا – في كثيرٍ من وجوهها – طريقًا يفضي إلى المعرفة، ولا جسرًا يقود إلى الكشف والإبداع كما خُيل إلينا يومًا؛ بل لقد تحول هذا الطريق الذي كان يُفترض أن تعبره الأرواح القلقة بحثًا عن الحقيقة، إلى ممرٍ جانبي تُدار فيه لعبة الألقاب، وتُوزَّع فيه الشهادات كما تُوزَّع الأزياء في مهرجانٍ صاخب؛ مظهرٌ احتفالي يغمر العين ببريقه، لكنه يخفي وراءه هشاشةً عميقة وتصدعات لا تراها إلا حين تقترب من الجدار وتلمسه بيدك. لم يعد العلم هنا مشروعًا للارتقاء، بل مسرحًا تُعاد فيه كتابة الأدوار حسب ما تقتضيه المصالح، وتتزين فيه الحقائق بأقنعة أنيقة تُضلل من يكتفي بالمشاهدة من بعيد؛ فبدل أن تكون الدراسات العليا فضاءً للخلق وإعادة تشكيل العالم، أصبحت في كثير من الأحيان غرفةً صغيرة لتشويه الواقع، حيث تُجمَّل الرداءة بعبارات رنانة، وتُغلَّف الفوضى بأغلفة منهجية مُنمقة تشتت البصيرة ولا تزيدها إلا غشاوة. إنه عالمٌ يبدو فخمًا من الخارج: منصات تعلوها الزهور، وعباءات أنيقة ملونة، وخطابات مُطولة عن العلم والبحث والتقدم. لكنه عالم يتآكل من الداخل، كقشرةٍ ذهبية تخفي معدنًا رديئًا، وكاحتفالٍ لا يسمع فيه أحدٌ صوت الحقيقة لأنها تُدفن تحت طبقات من التصفيق والمجاملة.

حين يحل الانتحال محل الأصالة

    لم تعد الدراسات العليا، في كثيرٍ من تجاربها، مرآةً تكشف الواقع، بل ستارًا يحجبه؛ ولم تعد معراجًا للذات الباحثة، بل ساحةً للتلاعب، حيث يحل الادعاء محل المعرفة، والتحايل محل الجُهد، والانتحال محل الأصالة؛ ذلك هو التحول المرير: أن يصبح العلم زينة، وأن يغدو البحث طقسًا، وأن يبيت اللقب، لا الفكرة، هو الغاية … في مشهدٍ يخدع النظر ببهائه، لكنه يترك العقل جائعًا، والروح أكثر عطشًا للحقيقة من أي وقت مضى.

أسواق الوجاهة

    كنتُ أحسبُ – بسذاجة المُحب للمعنى – أن رسائل الماجستير والدكتوراه هي آخر القلاع التي ما تزال تحتفظ بوهج الجدية داخل الجامعة؛ ذلك الفضاء الذي يفترض أن يكون محرابًا للعقل، لا سوقًا تُباع فيه الوجاهات تحت لافتة العلم. غير أن سنواتي في دهاليز العمل الأكاديمي كشفت لي كيف انزلقت هذه الدرجات من مقامها الرفيع إلى درك السلعة، وكيف تبدل دور الطالب من باحثٍ يطارد الحقيقة إلى زبونٍ يطارد ورقة، وانقلب المشرف من مُرشِدٍ فكري إلى بائع خدمات يتقن المناورة أكثر مما يتقن المعرفة.

عروض مسرحية

    ربما لم يكن هذا الانحدار يُعلن بوضوح في الساحات المفتوحة، ولا يُخلف وراءه سندًا أو أثرًا، لكنه كان يترك علاماتٍ صارخة لا تخطئها عين من اعتاد النظر إلى ما وراء الستار: طالب لم يمسك قلمًا، يُسلم رسالةً لم يكتب منها جملة، لكنه يحصل على الدرجة بمرتبة الشرف، وربما بتوصية بالطباعة؛ ومشرف يُراكم إشرافات تتجاوز طاقة المنطق، لا لاتساع علمه بل لاتساع شبكته، ولأن اسمه أصبح جزءًا من معادلةٍ لا علاقة لها بالعلم ... رسائل تُكتب في غرفٍ صغيرة تُدار فيها «الصناعة الأكاديمية» علنًا بأيدٍ مأجورة، ثم تُغلَّف في حقائب فاخرة وتُقدَّم على المنصات في احتفالاتٍ مهيبة تُشبه العروض المسرحية أكثر مما تشبه مناقشات علمية.

ثقافة مجتمع مشوهة

    ثقافة مجتمع مشوهة، تدفع الطالب لأن يُستنزَف ماليًا ليشتري ما لا يفهم، ويُقنَع بأنه «دكتور» لمجرد أن محفظته دفعت، وكتفيه حملتا عباءة. وفي المقابل، كانت الجامعة تُستنزَف روحيًا؛ تُفرَّغ طبقةً بعد طبقة من معناها، حتى باتت القاعة التي يُفترض أن تكون مسرحًا للمعرفة مجرد منصةٍ لعرض أزياء أكاديمية، وتحول العلم من غاية تُطلب إلى لافتة تُستعمل. رأيتُ – على مهلٍ مؤلم – أن الخسارة ليست خسارة طالبٍ خُدع بلقب، ولا خسارة أستاذ تحول إلى تاجر أو مقاول، بل خسارة مؤسسات كانت تُعِدُّ العقول فأصبحت تُسوِّق الشهادات، وتستبدل البيع بالبحث، والتمثيل بالجدية، والصدى الباهب لللقب بالمعرفة الحقة!

الركض وراء السراب

   كنتُ أشاهد طلابًا يندفعون، كمن يركض وراء سرابٍ، إلى التسجيل ببرامج الدراسات العليا، وكأنها الملاذ الأخير الذي يفتشون فيه عن لقبٍ يُزين هوية لا يملكونها، أو ورقة تتيح لهم التسلل إلى عالم تغشاه مظاهر التحضر الكاذب، وأرى في اجتماعاتنا أساتذة يتصارعون كما لو كانت الأرواح على المحك، يتنابزون الألقاب، يكادون يقتتلون على حق الإشراف على طالب أو على شرف مناقشته، وكأنها معركة على ورقةٍ لا تحمل وزن الحقيقة بقدر ما تحمل وزنًا من المكانة الاجتماعية والمناصب الأكاديمية. كنتُ أرى بعض الأساتذة يتباهون بإشرافهم على عددٍ هائل من الرسائل والأطروحات، فيحسبون الكم معيارًا للعلم، ويظنون أن الألقاب تتضاعف بالعدد، بينما الحقيقة والمعنى قد اختفيا في الزوايا المظلمة للغرف المكتبية. وكنتُ أسأل نفسي بلا كلل: متى قرأ هذا الأستاذ ما كتب طلابه؟ متى ناقش معهم الفكرة بدل الشكل؟ متى وجَّه العقل قبل الورقة؟ متى راجع، متى علَّم، ومتى استمع إلى سؤال حقيقي ينبض بالفضول؟ ولا أجد إجابة. كل شيء يبدو موشىً بالمظاهر: أرقام، لوائح، شعارات عن التميز، تكريمات، لكن لا شيء من صميم التعليم، ولا شيء من جوهر البحث. ويظل السؤال يصدح في ذهني: كيف يتحول ما يُفترض أن يكون محرابًا للفكر إلى ميدانٍ للتنافس على الصيت؟ 

وتظل الحقيقة رهن أسوارها

    تتكدس المكتبات بآلاف الرسائل والأطروحات، لكنها أرقام صماء لا تعكس نهضة علمية حقيقية، وإلا لأصبحنا منذ عقود في مصاف الدول الأكثر تقدمًا. هذه الكثرة تكشف، في عمقها، عن خللٍ بنيوي يعتري البيئة الأكاديمية، وازدهارٍ ورقي يلمع في الواجهة فيما يتداعى جوفه؛ فالكم هنا لا يقاس بمعرفة، بل بمسافةٍ متسعة بين الشعارات المرفوعة وما يتم إنتاجه حقًا من فكر؛ ازدحام في القاعات يقابله فراغ في المختبرات، واحتفالات صاخبة تُخفي غياب الصرامة وضعف الصلة باحتياجات المجتمع والصناعة والعلوم. نحن في وادٍ، والعالم المتقدم في وادٍ آخر؛ العالم المتقدم لم يبن نهضته على كثرة الرسائل، بل على صلابتها وصدقها وقدرتها على دفع حدود المعرفة. أما حين تتحول الدراسات العليا إلى مصنع للألقاب هدفه الأول لدى الجامعات هو حصد الأموال، ولدى الممولين هو المكانة الاجتماعية الزائفة، فإن مخرجاتها لا تتوقف عند ورقٍ يُعلق أو لقب يُتداول، بل تمتد إلى مقاعد التدريس ذاتها وإلى المجتمع، حيث يغدو بعض هؤلاء الذين لم يعرفوا من البحث إلا شكله أساتذة ومحللين وخبراء، فيتجذر الخلل ويعيد إنتاج ذاته على نحوٍ أشد وطأة ... وتظل الحقيقة رهن أسوارها، تنتظر من يجرؤ على تسلقها ومواجهة الظلال!

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

جيمس واطسون ... آخر حراس الشفرة

نوفمبر 10, 2025

 

رحل «جيمس واطسون» وأُسدِل الستار على حياة واحدٍ من أهم علماء القرن العشرين وآخر حراس الشفرة لسر الحياة

   منذ بضعة أيام، وبالتحديد يوم الخميس الموافق السادس من نوفمبر، أُسدِل الستار على حياة واحدٍ من أهم علماء القرن العشرين وأكثرهم إثارة للجدل؛ رحل «جيمس واطسون» James Watson (1928 – 2025)، أحد آخر من أطلوا على سر الحياة من نافذة الجزيء، بعد أسبوعٍ واحدٍ من نقله إلى دارٍ للرعاية إثر علاجه من عدوى أصيب بها مؤخرًا. وبغيابه، انطفأ عقلٌ ظل لعقودٍ يختبر حدود المعرفة الإنسانية، تاركًا وراءه إرثًا علميًا هائلاً، وإرثًا إنسانيًا أكثر تعقيدًا ووجعًا.

الفلسفة ومعنى الحياة

    حين أعلن «واطسون» مع زميله «فرانسيس كريك» Francis Crick (1916 – 2004) سنة 1953 عن اكتشاف البنية الحلزونية المزدوجة Double Helix Structure للحمض النووي الريبوزي منقوص الأوكسجين (جزيء الـ «دي إن إيه») Deoxyribonucleic Acid – DNA، لم يكن ما فعلاه مجرد إنجازٍ مخبري عابر، بل انقلابًا فلسفيًا في مفهوم الحياة ذاتها، إذ تحول التساؤل الأول الذي أرق الفلاسفة: «ما الحياة؟» من تأملٍ ميتافيزيقي غائم إلى شفرةٍ معلوماتية يمكن قراءتها وفك رموزها، كما لو أن سر الوجود أُعيد طباعته بلغة الجزيئات.

الحياة كمعادلةٍ كيميائية حية

    في تلك اللحظة، أدرك الإنسان – لأول مرة في تاريخه – أنه ليس فقط كيانًا وُهب الحياة من علٍ، بل هو كذلك نصٌّ كيميائي مكتوب بدقّةٍ رياضيةٍ داخل كل خلية من خلاياه؛ نصٌّ لا يُتلى، بل يُترجَم إلى كينونة. لقد أخرج «واطسون» الحياة من غياهب الأسطورة إلى ضوء المختبر، وحوَّلها من «نفَسٍ غامض» إلى معادلةٍ فيزيائيةٍ حية. لكنه في الوقت ذاته، ألقى بها في قبضة العلم الصارم، حيث يغدو السر قابلاً للقياس، والمعنى قابلاً للاختزال، وحيث يُختبر الوجود لا في رحاب الميتافيزيقا، بل في صمت الأنابيب الزجاجية. وهكذا، بينما فك «واطسون» و«كريك» طلاسم الشفرة الوراثية، فتحا – من حيث لا يعلمان – بوابة الفلسفة على مصراعيها من جديد، إذ صار الوجود ذاته سؤالاً بيولوجيًا يبحث عن روحٍ داخل بنيةٍ من رموز.

المفارقة الكبرى

    هنا تبدأ المفارقة الكبرى، المفارقة التي لا ينجو منها عقلٌ حاول أن يضع الكون تحت المجهر؛ فالرجل الذي حرَّر الإنسان من غموض اللامرئي، قيده بوضوح المادة؛ والذي كشف سر الحياة، جرَّدها من دهشتها الأولى. ومع كل خطوةٍ خطاها نحو الفهم، ابتعد خطوةً أخرى عن الغموض الذي يمنح الوجود سحره. لقد أراد «واطسون» أن يرفع الستار عن أسرار الخلية، فإذا به يكشف أيضًا هشاشة الفكرة التي بنت عليها البشرية معنى الإنسان؛ فعندما تُصبح الروح معادلة، ويُختزل الوعي إلى سلسلة من الأكواد، يغدو الكائن البشري مجرد نص بيولوجي يتكرر بتعليمات دقيقة، لا بآمالٍ أو أحلام. هكذا فتح «واطسون» الباب أمام تساؤلاتٍ لا طاقة للعالم بها؛ تساؤلات لا تسكن مختبره بل أعماقه، تلامس تخوم الوعي وتطل على هاوية الروح.

هل الإنسان حقًا أكثر من شفرةٍ بيولوجية؟ 

    لقد أطلق العِلم من عقاله، لكنه لم يدرِ أن هذا التحرر سيقوده إلى أسرٍ من نوعٍ آخر: أسر اليقين المادي الذي يطمس هشاشة الإنسان خلف نظامٍ جيني صامت. ومن بين أنقاض التجربة، ترتفع التساؤلات التي لا تهدأ: هل الإنسان حقًا أكثر من شفرةٍ بيولوجية؟ وهل ما نسميه وعيًا ليس إلا برنامجًا حيًّا داخل جسدٍ أتقن محاكاة الحرية؟ أم أن خلف هذا النظام الدقيق ظلاً آخر – لا يُقاس ولا يُفسَّر – هو ما يمنح الحياة معناها الذي لا يُكتب؟

قلق الفيلسوف

    لم يكن «واطسون» فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي للكلمة، لكنه حمل في أعماقه قلق الفيلسوف في جسد العالم التجريبي، وروح المتسائل في يدٍ تمسك بالمجهر. عاش بين ضوء المختبر وظل الضمير الإنساني، فجمع في شخصه النقيضين: عبقرية الاكتشاف وحدة الرأي، رهافة الفكر وجفاء الموقف. كان إذا دخل مختبره أبدع في تفكيك أسرار الخلية، وإذا خرج إلى الحياة العامة أشعل عاصفةً بتصريحاته التي تجاوزت حدود العلم إلى مناطق شائكة من الأخلاق والكرامة الإنسانية. لقد آمن مدفوعًا بيقينٍ علمي لا يلين أن الوراثة تملك مفاتيح كل الفروق بين البشر، وأن ما نُعده سلوكًا أو ذكاءً أو تفوقًا ما هو إلا امتدادٌ لما تخبئه الجينات في أعماقها.

خطيئة تفسير الإنسان تفسيرًا ردَّيًا 

    وهكذا، حين صرَّح في أواخر حياته بأن الأفارقة يقلون ذكاءً عن الأوروبيين، وألمح إلى أن الفروق العرقية قد تكون مطبوعة في الحمض النووي ذاته، انفجرت في وجهه موجةُ استنكارٍ عالمية. 

    لم ير كثيرون في كلماته جرأة علمية، بل سقوطًا أخلاقيًا لعقلٍ لم يُدرك أن الإنسان لا يُقاس بتركيبته الجينية وحدها. وتوالت العواقب: جُرد «واطسون» من ألقابه الفخرية، وقطعت مؤسسات علمية عديدة روابطها به، كأن المجتمع العلمي كله أراد أن يتطهر من ظله. وبدا المشهد مأساويًا بامتياز؛ فالعالِم الذي فكَّك الشفرة التي تصف الحياة، سقط في خطيئة تفسير الإنسان تفسيرًا ردَّيًا، ظنًّا منه أن الإنسان يُمكن أن يُرد إلى تركيبته الوراثية، وأن ما تحدده الجينات من صفات جسدية أو عقلية أو سلوكية يمكن أن يُحدد أيضًا مسار حياته ومستقبله كله!

العبقرية ومأساة العقل

    ومن هنا بدأت مأساته الثانية: مأساة العالم الذي اعتقد أن الحقيقة العلمية مرآةٌ لكل شيء، فإذا بها تنكسر على حدود الأخلاق. لقد أراد أن يرد الكون إلى منطق الطبيعة، فأنكر على الخالق ما وهبه للإنسان من حرية وكرامة، وغدا مثالاً على عبقريةٍ بلغت الذروة العلمية، ثم تعثرت على العتبة الإنسانية: مأساة العقل حين يظن أن النور وحده يكفي ليبصر المعنى!

مادية الرؤية وإنسانية القلق

    مع ذلك، لا يمكن أن يُختزل «واطسون» إلى مجرد شخصية شريرة أو عنصرية أو لا أدرية؛ فهو في آنٍ واحد رمزٌ للعلم حين يتخطى حدوده، وللعقل حين يغدو أسيرًا لسلطته على الحقيقة. لقد آمن أن الطبيعة وحدها كافية لتفسير الإنسان، وأنه لا حاجة إلى قوة خارقة أو ميتافيزيقا لتبرير وجودنا؛ ماديٌّ في رؤيته، لكنه في أعماقه إنسانيٌّ في قلقه، سجين التساؤلات التي أنجبها ذكاؤه، وأثقلت وجدانه كما أثقلت المكتبة البشرية. ليس هذا دفاعًا عنه، بل هو تأكيدٌ على أن عبقرية العالم لا تحجب في النهاية تجاوزه لحدود القصور الإنساني!

اعتذار للعالم أم للعلم؟

    باع «واطسون» ميدالية نوبل التي نالها سنة 1962، في فعلٍ رمزي يشي بعمق الإنسانية حتى في أعظم اللحظات العلمية (وإن هُزمت إنسانيته برؤاه العنصرية)، ووهب جزءًا من عائداتها للبحث العلمي، مؤكدًا أن المجد، مهما علا، لا يحجب هشاشة الإنسان أو شعوره بالمسؤولية أمام المعرفة. وحين اعتذر عن تصريحاته المثيرة للجدل ثم انسحب إلى صمته الأخير، بدا وكأنه يعتذر لا للعالم فحسب، بل للعلم ذاته، لأنه – رغم عبقريته – لم يمنحه مفتاح الحكمة النهائية، المفتاح الذي طالما بحث عنه في أعماق الجين والخلية والنصوص الوراثية.

ما الحياة؟ وما الوعي؟ وما معنى أن تكون إنسانًا؟!

    رحل «واطسون» في عامه السابع والتسعين، بعد رحلة امتدت بين أعماق الخلية وآفاق الفكر، بين الحروف الكيميائية للنص الوراثي وتساؤلات الوجود الكبرى ... رحل العالم الذي نظر إلى الجين فرأى فيه خريطة الخلود، ثم أدرك أن الخلود لا يكمن في المادة وحدها، بل في المعنى الذي نختاره ونعيه. ربما كان هذا هو درسه الأخير لنا: أن العلم، مهما بلغ من دقة ومتانة، لا يُقدم إجابة نهائية عن سؤال الوجود، بل يفتح نوافذ أعمق نحو المجهول ويضاعف سحر الغموض الذي يحيط بنا ... رحل آخر حراس الشفرة، لكنه لم يرحل تمامًا؛ فالشفرة التي ساعد على كشفها لا تزال تنبض فينا، كنبض توقيعه الأخير على صفحة الحياة، وتذكرنا بأن الإنسان، مهما فك رموزه، يظل أمام السؤال الأزلي: ما الحياة؟ وما الوعي؟ وما معنى أن تكون إنسانًا؟!